cnimaroc

قراءة في بعض المؤشرات المتعلقة بالمساواة من خلال تقرير الميزانية القائمة على النتائج من منظور النوع – المصاحب لمشروع قانون المالية لسنة 2017

20 سبتمبر 2017 - 3:48 م مستجدات , أنشطة مركزية , مستجدات , مستجدات وأخبــار
2355707450_0

د.الطاهر موحوش*

مقدمة عامة:

أود في البداية أن أتقدم بالشكر للأخوات في منظمة نساء المؤتمر الوطني الاتحادي بدعوتهن لي للمساهمة في هذا اللقاء المنظم تحت شعار “لا ديمقراطية بدون مساواة فعلية”.

نعم أيتها الأخوات – إن الديمقراطية هي كل لا يتجزأ تبتدئ كما قال المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز بدستور ديمقراطي وتكتمل بأربعة أسس أخرى تتمثل في الانتخابات الحرة والنزيهة. حرة من اي ضغط مادي أو سلطوي أو ديني ونزيهة تتحمل السلطات القائمة على تنظيمها المسؤولية القانونية والأخلاقية لتوفير كل الشروط المتعلقة بالنزاهة ومنها توفير الحق من أجل ضمان مشاركة جميع الناخبات والناخبين للإدلاء بصوتهم وتحصين هذا الصوت والالتزام بنتائج التصويت وربط القرار السياسي بهذه النتائج. ويتعلق المرتكز الثالث على ضمان الحق في الاختلاف والمرتكز الرابع على التداول السلمي على السلطة ثم المرتكز الخامس وهو الذي له علاقة مع الموضوع الذي أنتن تتدارسنه اليوم وهو احترام حقوق الإنسان والحريات الفردية والجماعية.

وحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها كونيا هي الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أسس لها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينص في مادته الثانية على أنه: “لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان دونما تمييز من أي نوع ولاسيما التمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسيا وغير سياسي أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر…”. والمغرب دولة من الدول المصادقة على هذا الإعلان.

وجاء دستور 2011 لينص في تصديره على أن ” المملكة المغربية قد اختارت بشكل لا رجعة فيه بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، تواصل بعزم مسيرة توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة وإرساء دعائم مجتمع متضامن يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية ومقومات العيش الكريم في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة”. كما ينص الفصل 19 من الدستور على أنه “يتمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية… وتسعى الدولة لتحقيق المناصفة بين الرجال والنساء”.

كما أن المغرب بصفته عضوا بالأمم المتحدة ملزم على المستوى الأخلاقي بتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2016-2030، (17 هدفا) التي صادقت عليها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة خلال مؤتمر قمة التنمية المستدامة المنعقد بمقر المنظمة بنيويورك في شتنبر 2015. وحددت لهذا الغرض 169 غاية. ومن بين الأهداف التي لها علاقة مباشرة بندوتكن الهدفين رقم 5 الذي يتكلم على تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين جميع النساء والفتيات. والهدف رقم 10 الذي يتكلم على الحد من انعدام المساواة داخل البلدان وفيما بينها.

وهناك أهداف لها علاقة غير مباشرة كالهدف رقم 3 الذي يروم ضمان تمتع الجميع بأنماط عيش صحية وبالرفاهية في جميع الأعمار والهدف رقم 4 الذي يروم ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع.

وهكذا انخرط المغرب على مستوى الخطاب في هذه السيرورة وحرصت كل القطاعات الوزارية على إدماج هذا البعد ضمن مخططاتها الاستراتيجية. ومن بين هذه المخططات الإستراتيجية توجد الخطة الحكومية للمساواة “إكرام” 2012-2016 التي حددت 8 مجالات للاشتغال ب 24 هدف و156 إجراء. ومن بين الإجراءات المقترحة نجد الإجراء المتعلق بتطوير أدوات ووسائل تحليل الميزانية حسب النوع الذي وجد ترجمته العملية في المادة 48 من القانون التنظيمي للميزانية المصادق عليه في يونيو 2015.

1. تقديم تقرير الميزانية القائمة على النتائج من منظور النوع:

لقد شرعت وزارة المالية منذ 12 سنة في عملية جندرة الميزانية بالغرب حيث أن كل مشاريع قوانين المالية أصبحت ترافقها عدة تقارير ومنها التقرير المتعلق بالنوع. وقد دعم هذا التوجه القانون التنظيمي الجديد للمالية رقم 13-130 الذي تم اعتماده بتاريخ 2 يونيو 2015 حيث تنص المادة 48 منه على أنه “يودع مشروع قانون المالية للسنة بالأسبقية بمكتب مجلس النواب في 20 اكتوبر من السنة المالية الجارية على أبعد تقدير ويرفق بالوثائق التالية:

1- مذكرة تقديم لمشروع قانون المالية؛

2- التقرير الاقتصادي والمالي؛

3- تقرير حول المؤسسات والمقاولات العمومية؛

4- تقرير حول مرافق الدولة المسيرة بطريقة مستقلة؛

5- تقرير حول الحسابات الخصوصية للخزينة؛

6- تقرير حول النفقات الجنائية؛

7- تقرير حول الدين العمومي؛

8- تقرير حول الميزانية القائمة على النتائج من منظور النوع؛

9- تقرير حول الموارد البشرية؛

10- تقرير حول المقاصة؛

11- مذكرة حول النفقات المشتركة؛

12- تقرير حول العقار العمومي المعبأ للاستثمار؛

13- مذكرة حول التوزيع الجهوي للاستثمار.

وما يهمنا اليوم هو التقرير رقم 8 المتعلق بالميزانية القائمة على النتائج من منظور النوع.

إذن هذا التقرير أصبح تقديمة مع مشروع قانون الميزانية ملزما للحكومة. وهو تقرير يتضمن الإجراءات الحكومية المتخذة من أجل تحقيق المساواة المتعلقة بالنوع.

ويتضمن التقرير رقم 8 السالف الذكر المصاحب لمشروع الميزانية لسنة 2017 أربعة أجزاء.

يركز الجزآن الأول والثاني من التقرير على الولوج المتساوي والعادل للحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية، ويستحضر هذين الجزأين البعد الكوني والوطني المتعلق بحقوق الإنسان وأهداف التنمية المستدامة في أبعادها التشريعية والاقتصادية والاجتماعية والتعاونية وكذا الآليات المعتمدة ببلادنا من أجل المتابعة والتقييم للإجراءات المتخذة من طرف القطاعات الوزارية المعنية من أجل بلوغ الأهداف المسطرة. حيث يورد التقرير أن هذه الآليات ترتكز على ملائمة الإطار التشريعي والمؤسساتي الوطني مع الآليات الدولية لحقوق الإنسان. و في هذا الإطار يرصد التقرير النصوص القانونية التي تم اعتمادها و منها القانون رقم 125-12 الذي يقضي بالموافقة على البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛ مشروع القانون رقم 01- 16 الخاص بالموافقة على الاتفاقية رقم 143 بشأن الهجرة في ظروف مهينة؛ مشروع القانون رقم 79-14 المتعلق بهيئة المناصفة ومكافحة جميع أشكال التمييز؛ مشروع القانون رقم 103-13 المتعلق بمكافحة العنف ضد النساء؛ مشروع القانون رقم 19-12 بشأن العمل المنزلي؛ القانون رقم 78-14 الخاص بالمجلس الاستشاري للأسرة و الطفولة؛ مشروع القانون الإطار رقم 97-13 المتعلق بحماية وتعزيز حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة. كما يرصد التقرير آليات التتبع وتنفيذ الإجراءات ومنها المندوبية السامية لحقوق الإنسان التي تتكلف بإعداد تقارير دورية وتقدمها خلال الاجتماعات الدورية داخل المنتظمات الدولية ذات الصلة، واللجنة الوزارية للخطة الوطنية للمساواة التي يرأسها رئيس الحكومة ثم اللجنة التقنية المشتركة بين الوزارات والتي تسهر على تتبع أعمالها وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية.

ويتطرق الجزآن الثالث والرابع من التقرير للولوج العادل للحقوق الاجتماعية والثقافية والاستفادة المتساوية من الحقوق الاقتصادية. ويستعرض هذان الجزآن كذلك للقطاعات الوزارية الموكول إليها السهر على بلورة وتنفيذ السياسات القطاعية ذات الصلة وكذا الإجراءات المتخذة على صعيد كل قطاع مع تحديد مؤشرات للتتبع.

وإن كانت الاستراتيجيات والإجراءات الواردة في التقرير قد تطلبت جهدا كبيرا على المستوى التصوري وعلى المستوى المادي فإن عامل الجودة يبقى متسما بكثير من النقد الموجه من مختلف الفعاليات المشتغلة في النسيج الجمعوي ذات الصلة. ففيما يتعلق بمشاريع القوانين التي تم إنجازها عبرت في حينها مجموعة من الفعاليات الجمعوية عن امتعاضها من طريقة إعداد هذه المشاريع حيث الإشراك في بلورة المشاريع كان شكليا وتحكم الهاجس الأيديولوجي المحكوم بالمرجعية الدينية في بلورة كثير من المشاريع القانونية.

وعلى أرض الواقع ورغم صدور بعض من هذه القوانين وإحداث آليات متعددة للسهر على احترامها إلا أن ما تشهده الساحة المغربية اليوم من تحقير لها عبر العنف الذي تتعامل به السلطات العمومية في كثير من الأحيان مع مختلف التعبيرات الشعبية السلمية يظهر تناقضا عميقا بين إحداث القوانين والآليات وتطبيقها. لذا يبقى عمل جبار ينتظر كل الفاعلين السياسيين والجمعويين من أجل الدفع والضغط في اتجاه تحصين المكاسب على علتها من جهة وتعديل ما يمكن تعديله من جهة أخرى.

2. قراءة في بعض المؤشرات الواردة في التقرير والمتعلقة بالمساواة:

نظرا لضيق الوقت سأكتفي في مداخلتي بالتطرق لما أسماه التقرير بالولوج العادل للحقوق الاجتماعية من خلال قراءة نقدية لبعض المؤشرات بقطاعين اجتماعيين هامين وهما قطاع التربية الوطنية وقطاع الصحة.

1. قطاع التربية الوطنية:

يتميز قطاع التربية الوطنية بكونه قطاعا يتكلف من جهة بتنفيذ سياسة الحكومة في مجال تنظيم وتطوير التعليم العمومي بمجاليه العام والتقني ووضع البرامج وطرق التدريس…

وتساهم وزارة التربية الوطنية كذلك في شبكة التشاور المشتركة بين الوزارات من أجل المساواة بين الجنسين في الوظيفة العمومية وتشارك أنشطة الشبكة التي صاحبت إعداد الاستراتيجية الوطنية لمأسسة المساواة بين الجنسين وإدماج بعد النوع الاجتماعي في الوظيفة العمومية. وهو كذلك من جهة أخرى قطاع يشغل عددا مهما من الموظفين.

وبالرجوع إلى تحليل المعطيات المتعلقة بالقطاع من زاوية التشغيل في الوظيفة العمومية التعليمية نلاحظ ما يلي:

في سنة 2015 بلغ عدد موظفي وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني حوالي 294.500 موظف مما يمثل 50,4 % من مجموع الموظفين بالإدارة المغربية. وتصل نسبة النساء إلى 41,2 % وتشكل النساء المدرسات حوالي 56 % من هيئة التدريس بالتعليم الابتدائي و40 % من هيئة التدريس بالتعليم الثانوي الإعدادي و32 % من هيئة التدريس بالثانوي التأهيلي خلال الموسم الدراسي 2015-2016. ومع ذلك تبقى تمثيلية المرأة في مواقع صنع القرار على المستوى المركزي والجهوي منخفضة. فمن مجموع 10.756 مؤسسة تعليمية، 456 امرأة فقط هن مديرات مؤسسة تعليمية منهن 4,7 % بالتعليم الابتدائي و 5 % بالتعليم الثانوي الإعدادي و 2,1 % بالتعليم الثانوي التأهيلي. وذلك بالرغم من توفر الوزارة ومنذ 2009 على وحدة مخصصة لرصد القضايا المتعلقة بالمساواة بين الجنسين ويتعلق الأمر بالفريق الوطني لإدارة البعد النوعي و التي تتوفر على فروع جهوية .

أما فيما يخص تحليل المعطيات المتعلقة بالسياسات العمومية المرتبطة بمراعاة بعد النوع الاجتماعي بخصوص المهام المرتبطة بالقطاع في مجال التعليم فيتبين حسب التقرير أنه بالرغم من المجهودات المبذولة على مستوى التجهيز وبناء المؤسسات التعليمية ومراكز إقامة التلاميذ و التحفيز عن طريق المنح والمطاعم والنقل المدرسي ومبادرة مليون محفظة مدرسية وبرنامج تيسير فإن نسبة تمدرس الفتيات مقارنة بالفتيان تظل متفاوتة ويتفاقم هذا التفاوت كلما انتقلنا من مستوى تعليمي إلى آخر. فحسب توقعات المندوبية السامية للتخطيط يبلغ عدد الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و9 سنوات 3.080.000 طفل منهم 1.509.000 طفلة أي بنسبة 49 % في حين نجد أن نسبة الفتيات المتمدرسات بالتعليم الأولي خلال سنة 2015 – 2016 لا تتعدى 45% ويضمحل مؤشر التكافؤ بين الجنسين كلما انتقلنا من مستوى تعليمي إلى آخر. حيث يبلغ هذا المؤشر 0،90 (أي 90 فتاة ممدرسة مقابل كل 100 ولد متمدرس) بالتعليم الابتدائي سنة 2015 – 2016. و 83،0 فقط حين تنتقل إلى التعليم الثانوي الإعدادي (يعني 83 فتاة متمدرسة مقابل كل 100 ولد متمدرس). ويزداد المشكل تفاقما إذا قارننا ما بين المجال الحضري والمجال القروي: 0,76 في المجال القروي بالنسبة للتعليم الابتدائي و0,68 بالنسبة للتعليم الثانوي الإعدادي.

وبالرغم من هذه المعطيات فإن ميزانية وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني عرفت انخفاضا سنة 2017 فيما يخص ميزانية التسيير المتعلقة بالموظفين بحوالي 2,4 مليار درهم مقارنة مع سنة 2016 كما أن عدد المناصب المخصصة للقطاع لا تتعدى 8400 منصبا بما فيها التعليم العالي. مع العلم أن عدد الموظفين بقطاع التعليم الذين بلغوا سن التقاعد سنة 2016 وصل إلى 14715.

من هنا يتبين أنه لم يتم بذل المجهود الضروري على مستوى الميزانية المرصودة للقطاع من أجل الحد من عدم المساواة في ولوج التعليم بين الجنسين وبين المجال الحضاري والمجال القروي. كما أن مجهودا يجب أن يبذل من أجل تحقيق المناصفة فيما يخص مناصب المسؤولية بالقطاع بالنسبة لموظفي القطاع.

2. قطاع الصحة:

تضطلع وزارة الصحة بمهام وضع وتنفيذ السياسات العمومية في مجال الصحة وكذا السياسة الوطنية في مجال الأدوية والموارد الصيدلية سواء تعلق الأمر بالجانب التنظيمي أو التقني. ومن خلال هذه المهام تناط بهذه الوزارة بشكل كبير مهمة ضمان الحق في الصحة الذي كرسته العديد من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وكذا دستور 2011 الذي يقر بشكل واضح حق الولوج للعلاجات الصحية وإلى التغطية الصحية.

وفي إطار تفعيل هذا الحق تم إعداد ترسانة قانونية كمشروع القانون المتعلق بمكافحة الاضطرابات العقلية وبحماية الأشخاص المعاقين والقانون المتعلق بممارسة مهنة الطب والقانون رقم 65-00 المتعلق بالتغطية الصحية الأساسية وقانون التأمين الإجباري عن المرض بالنسبة للطلبة ومشروع القانون رقم 15-98 المتعلق بنظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض الخاص بفئات المهنيين والعمال المستقلين والأشخاص غير الإجراء الذين يزاولون نشاطا خاصا. وتنخرط وزارة الصحة في الخطة الحكومية للمساواة 2012-2016. كما تشكل الوزارة نقطة ارتكاز النوع الاجتماعي عن طريق مديرية السكان، وتعتبر وزارة الصحة القطاع المسؤول عن الوحدة المكلفة بمناهضة العنف ضد النساء في الشبكة المشتركة بين الوزارات من أجل المساواة بين الجنسين في الوظيفة العمومية.

كما أن الوزارة هيأت إستراتيجية وطنية في إطار الالتزامات المتعلقة بتحقيق الهدف رقم 3 من أهداف التنمية المستدامة الذي يروم تمكين الجميع من العيش في صحة جيدة ورفاهية لكل الأعمار.

ولكن بالرغم من هذه المجهودات والالتزامات، فإن الواقع والدراسات تبين أن وفيات الأمهات لازالت مرتفعة حسب إحصائيات 2009-2010: حيث تم تسجيل 112 وفاة لكل 100000 ولادة حية مع تفاوتات ما بين المجال الحضري (73) والمجال القروي (148). بالإضافة إلى أن نسب الولادة في الوسط الخاضع للمراقبة لا يتجاوز 55%. كما يظل عدد الاستشارات الطبية التي تستفيد منها النساء الحوامل قبل الوضع ضعيفا في حدود أربع زيارات.

ويشكل بعد المراكز الصحية 20,9% من الأسباب التي تجعل ثلث النساء اللواتي اخترن الولادة خارج مؤسسات الولادة خصوصا بالعالم القروي.

وتشكل وفيات الأطفال دون سن الخامسة 30,5 حالة وفاة لكل 1000 ولادة حية و وفيات المواليد أقل من شهر 21,7 حالة وفاة لكل 1000 ولادة حية.

كما أن الولوج للخدمات الصحية يعرف تفاوتات بين الجهات وبين الوسط الحضري والوسط القروي وبين المستويات السوسيو اقتصادية. فعلى سبيل المثال: وفيات الأطفال دون سن الخامسة هي مرتين ونصف أعلى لدى أطفال أسر الخمس الأكثر فقرا من الساكنة ب 37,9 حالة وفاة لكل ألف ولادة حية مقابل 15,2 حالة وفاة لكل ألف ولادة حية لدى أسر الخمس الأكثر ثراء من الساكنة.

وبالرغم من وجود نظام التغطية الصحية في صيغتيه AMO وRAMED فإن الإحصائيات بينت أن الأسر تساهم بصفة مباشرة في نفقات العلاج بنسبة 54%.

وأن 7،39 % من المستخدمين صرحوا أنهم اضطروا خلال الخمس سنوات الأخيرة إلى تحمل نفقات مالية كبيرة بسبب مرض أحد أفراد أسرتهم وأن 37 % منهم اضطروا للاقتراض من أجل تمويل هذه النفقات. ويرى 3،44 % من المستجوبين أن خدمات التغطية الصحية ضعيفة.

إذن بالرغم من الجهود المبذولة فإن الاستفادة من الخدمات تظل صعبة ومكلفة ومرهقة.

بالإضافة إلى ذلك، تشكل المحددات الاجتماعية للصحة عائقا كبيرا في المجال القروي حيث يساهم في إضعاف المجهود المبذول من طرف القطاع بالإضافة إلى المحددات الصحية المتعلقة بالموارد البشرية والمالية. فميزانية وزارة الصحة لا تمثل إلا 5،7% من الميزانية العامة للدولة، وقد عرفت هذه الميزانية انخفاضا بنسبة 1,16% سنة 2017 مقارنة مع سنة 2016.

كما أن الحكومة لم تف بالتزاماتها فيما يتعلق بتمويل نظام المساعدة الطبية راميد.

وفي ظل هذه الأوضاع لن يتأتى للمغرب أن يحقق الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة ما بين 2016-2030، لأن شروط تحقيق هذا الهدف تتطلب حسب المنظمة العالمية للصحة توفير كثافة بشرية تساوي على الأقل 4,5 موظف علاج (طبيب، ممرض، صيدلي، طبيب أسنان) لكل 1000 من السكان، أي ما يناهز 153.000 موظف في حين أن الكثافة الحالية لا تتعدى 1,41 لكل ألف من السكان أي ما يناهز 47940 موظف علاج. وعلى الدولة إن أرادت أن تحقق نسبة محترمة من الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة توفير العجز الذي يناهز 100.000 موظف علاج إضافي.

وفيما يخص مسألة احترام مقاربة النوع بالنسبة للعاملين بالقطاع الصحي العام، فوزارة الصحة تشغل 47.111 موظفة وموظف 59 % منهم من النساء. غير أن نسبة النساء بمواقع المسؤولية لا تمثل إلا 37 %.

خاتمة

إن إجبارية وضع تقرير حول الميزانية القائمة على النتائج من منظور النوع تبقى ايجابية بالنظر إلى أن هذا التقرير يضع بين أيدي الفاعلين السياسيين والجمعويين معطيات مهمة من أجل التحليل وأخذ القرار. غير أن إعداد مثل هذا التقرير يتطلب تجويدا مستمرا لا من حيث المعطيات التي يجب أن يتضمنها ولا من حيث المؤشرات ولا من جانب منهجية التحليل المعتمد. ومن أجل ذلك أعتقد أن المعطيات يجب الاتفاق بشأنها مع الفاعلين الجمعويين. كما يجب بلورة منظومة إعلامية خاصة بهذا الجانب من أجل رصد وبشكل دقيق نسبة الميزانية المرصودة بشكل مباشر لمسألة النوع وكذا نسبة الميزانية المرصودة بشكل غير مباشرة.

ومن جهة أخرى تطرح مهام جسيمة على الفاعلين السياسيين التقدميين والجمعويين من أجل الدفع في اتجاه تطوير منظومة المساواة لا على المستوى المؤسساتي ولا على المستوى الموضوعاتي ولا على المستوى المجالي. وهذه المهام تتطلب تكتل جميع القوى التقدمية من أجل زحزحة الجمود أو النظرة الايديولوجية المحافظة والطبقية التي تتحكم في بلورة وتنفيذ السياسات المتعلقة بالمساواة والمناصفة.

*مداخلة خلال الندوة المنظمة من طرف منظمة نساء المؤتمر الوطني الاتحادي بالمقر المركزي للحزب بالدار البيضاء بتاريخ 15 يوليوز 2017.