cnimaroc

الخطاب السياسي المغربي محددات الاصطفاف ورهانات الاستقطاب

18 مايو 2018 - 1:20 ص مستجدات , مستجدات وأخبــار , مقالات الرأي
بقلم: محمد الصديقي

تقــــــــديــــــــــم:
يعرف المجتمع المغربي دينامية على مستوى إنتاج الخطابات ذات الصلة بالشأن العام، وتكتسي هذه الخطابات ما يكفي من التعقد الذي لا يعود إلى طبيعة الخطاب ذاته، وإنما إلى بنية الخطاب في علاقته بالمؤسسة المنتجة له، فالمتتبع الذي يحاول بناء تصور تمييزي للخطاب السياسي المغربي يجد نفسه أمام خطاب منفلت من قبضة التحديد والتصنيف، ومن سمات التمثيلية التي تكسبه نسبة مقبولة من الوضوح، وتحقق له مرجعيته المؤسسية.
انطلاقا من ذلك، يجد المتتبع أن الخطاب السياسي المغربي يتداخل ويتشابه بشكل كبير، ويصعب معهتمييز الجهة التي تعبر عنهذا الخطاب أو ذاك، وسمة التشابه هذه، وإن كانت لا تعبر بالضرورة عن وفاء لإيديولوجية المؤسسة، فهي تعبر أيضا عن أزمة هذه المؤسسات، التي لا تختلف عن منطق المقاولة في التسويق لذاتها ولمنتوجها، إذ المهم هو كسب الزبائن،لا بناء الوعي السياسي القائم على تربية المواطن على الاختيار الحروالصحيح المبني على صفاء الخطاب المرتبطبالصفاء الإيديولوجي للمؤسسة.
يتأرجح الخطاب السياسي المغربي، عموما، بين التعبير عن إرادة الدولة و بين التعبير عما يفيد إرادة المجتمع، وفي كلتا الحالتين يبقى خطاب الدولة مهيمنا على مستوى إجرائية السلطة، وتكييف أدوات خضوع المجتمع لأسباب عديدة ليس هذا مجال رصدها ولا تحليلها.
إن السمة الأساس للخطاب السياسي الظاهر على مستوى الواجهة هو الهرولة نحو إنتاج خطاب مواز لخطاب الدولة، فبعدما كان المجتمع عبر مؤسساته الممانعة هو المبادر إلى إنتاج بنيات الخطاب ومفاهيمه وتصوراته، أضحى الوضع اليوم مختلفا تماما، فالمفاهيم الأكثر تداولا، وعرضة لإعادة الإنتاجوالأكثر خضوعا للتحليل السياسي هي التي ترد في الخطاباتالمناسباتية للدولة (الحكامة – الرأسمال اللامادي – المجتمع الحداثي الديمقراطي …) وأضحى عدد من “المحللين السياسيين” يعيشون حالة انتظار لا حالة إبداع، فلا يبدعون مفاهيم تقتضيها المرحلة أو الوضعية السياسية، وإنما ينتظرون الدولة لتزودهم بما سيشكل وجبة للتنافس نحو إعادة إنتاجه وتداوله إما تبريرا أو تأويلا ومحاججة.
في ظل هكذا وضعية، كيف يمكن للمتلقي أن يحدد آليات التمييز في الخطاب السياسي المغربي؟ وعلى أية أسس يمكن أن يكون استقطابه ضمانا لاستمرارية ثقته في المؤسسة المنتجة لهذا الخطاب؟وهل يمكن على الرغم من تشابه الخطابات وضع تصور للتمايز بناء على الاصطفافات التي يمكن أن تتيحها المسافة بين مؤسسات المجتمع السياسية والدولة؟
محددات الاصطفاف ورهانات الاستقطاب:
قد لا يكون التاريخ وحده المحدد لمسار الاصطفاف السياسي للمؤسسات السياسية وخصوصا الأحزاب؛فالتطور أحدث تغيرات كبيرة في مستوى تموقع الأحزاب في علاقتها بالدولة ومؤسساتها، وحتى في حال الحفاظ على الخطوط العريضة للمرجعية السياسية أو الخط الإيديولوجيفي مستوى الوثائق المعتمدة في ملتقيات ومؤتمرات الأحزاب، فإن إكراهات الخطاب المساير لمتغيرات الزمن لا يعكس بالضرورة الانضباط التام لهذه المرجعيات التي غالبا ما يجد خطاب الحزب آليات لتبرير مخالفتها، أو حتى التناقض معها أحيانا، ولذلك لا بد من إدراج محدد آخر يتعلق بموقف الدولة نفسها من الأحزاب السياسة والعمل الحزبي عموما، وبالتالي من الخطاب السياسي المعتمد من لدن الأحزاب السياسية؛ فقد بات التعامل الرسمي مع الأحزاب غير نابع من مبادئها أو مواقفها المثبتة فيوثائقها المرجعية، ولكنه مرتبط بمدى مسايرة خطابها، في عمقه، لخطاب الدولة حتى ولو تبنى منطق المعارضة أحيانا.وعليه فالمسافة بين الحزب والدولة تنبني على طبيعة الخطاب الذي يروج له الحزب في حدود إمكانيات التحكم في نتائجه ومخرجاته.
انطلاقا من هذه المحددات يمكن، نسبيا، تصنيف خطاب الأحزاب السياسية بالمغرب إلى ثلاثة مواقف تشكل الاصطفافات الكبرى للحقل السياسي المغربي بصفة عامة، أسميها على الشكل التالي: الخطاب الراديكالي والوسطي ثم التبعي.
1 – الخطاب الراديكاليمحدداته ورهاناته:
يشكل هذا الخطاب العنوان البارز لأحزاب تَعتبر أن المعارضة لا تتجه إلى الخطاب، وإنما إلى المؤسسة المنتجة للخطاب، فإذا كان الخطاب متغيرا، وبالتالي من الصعب أو من المستحيل، أحيانا، مجاراته في متغيراته، فإن الأصل في الخطاب الجهات التي تنتجه وتتبناه، وهي الجهة ذات الموقف الأصلي الثابت،وغير المتغير جذريا إلا بمعطى كيفي، ولذلك فهذا الخطاب يعتبر أن مناقشة خطاب الدولة هو من باب الدخول في السجال السيزيفي وغير المتكافئ، والأصل في المعارضة أن تتجه نحو الدولة رأسا بما أنها هي المؤسسة المنتجة لخطاب إيديولوجي زائف للتغطية عن طبيعتها المعادية للمجتمع، وبما أن المواجهة المجتمعية غير متكافئة فالرهان يكون على عملية كشف حقيقة الدولة بغض النظر عن طبيعة خطابها، ولذلك يسهل على معارضي هذا الخطاب أن يَسِمُوه بالعدمية، وغالبا ما يفسَّر وصف العدمية بمنطق موازين القوى الشعبية والسياسية المائلة نحو كفة الدولة، إذ عندما تنعدم وسائل المواجهة يكون الخطاب، وإن بدا معقولا، مبالَغا فيه من حيث رفع سقف المعارضة.
الخطاب السياسي لهذا التوجه لا يعطي أهمية للتدبير، بل للمدبِّر، إذ هو يؤمن أن التدبير لن يتغير ما لم يتغير المدبِّر نفسه، ولذلك تجده على الطرف النقيض جملة وتفصيلا من كل تدبير تتبناه الدولة سواء في مستوى الاختيارات الكبرى أو في مستوى الإجراءات الجزئية الطارئة. وغالبا ما يتكئ هذا التوجه على تحليل يميل نحو النمطية؛ فيكفي ربط الإجراء أو التدبير بالدولة لرفضه ومعارضته، فالدولة بما هي،كلها،شر، فخطابها، أيضا، شر كله. ونجده، بناء على ذلك، يتبنى كل أشكال الاحتجاج وإن كانت غير منظمة أو ذات مواقف غير مؤسسة سياسيا أو أيديولوجيا. فتكفي معارضة إجراء بسيط للدولة ليكون الخطاب السياسي لهذا الاتجاه منتعشا ومبررا لخطابه المعارض.
هذا الخطاب، وإن بدا في عمقه مقبولا، وقابلا للهضم على مستوى سهولة الحسم خارج عناء التحليل، فهو غالبا ما يصطدم بالواقع الذي يحوله، مع الزمن، إلى خطاب مكرور، غير قادر على تعبئة طاقات مضمونة من حيث الاستمرار والالتزام السياسيين.
2- الخطاب الوسطيمحدداته ورهاناته:
يعتمد هذا الخطاب على نوع من الحذر في التعاطي مع الوقائع والمواقف، بدافع الرغبة في الحفاظ على استمرارية قواعده التي تتبنى مواقف غير مؤهلة لرفع سقف التضحية المجتمعية بحكم تواضع مستوى الوعي السياسي العام، ولذلك نجد رهانه على الطبقة الوسطى كبيرا، اعتبارا لكونها تشكل قاعدة واسعة مجتمعيا، والمؤهلة لهضم الخطاب السياسي المعتدل و”العقلاني”، ذي الطبيعة النفعية، والمجانب للتصورات الصدامية غير محسومة العواقب، ولذلك تتجه المعارضة في هذا التوجه إلى التدبير لا إلى المدبِّر، وإلى الخطاب لا إلى المخاطِب، والرهان لدى هذا التوجه هو إصلاح الوضع الراهن بغض النظر عن الجهة التي ستتحمل مسؤولية الإصلاح، وما يهمها هو حلحلة الوضع والضغط على الدولة ومؤسساتهاللتنازل عن بعض الصلاحيات المخولة لها للحفاظ على التوازن الاقتصادي والمجتمعي بين الدولة والمجتمع بما يمكِّن المجتمع من ممارسة دوره السياسي بحرية ودون أي تصريف ترهيبي من الدولة، أو تعامل انتهازي من النخبة، وذلك بحكم رغبة الطبقة الوسطى في الحفاظ على وضعها (مكتسباتها) من جهة، وطموحها إلى تحقيق ترقية اجتماعية، تعي جيدا، أن مَرَدَّهَا إلى قرار سياسي أكيدٌ، وهي – أي الطبقة المتوسطة – بذلك غير مستقرة المواقف في مستوى تصريف الخطاب، وهذا ينعكس أيضا، في مستوى آخر ،على الخطاب السياسي للمؤسسات / الأحزاب التي تراهن على هذه الطبقة.
وبحكم المستوى الثقافي لهذه الطبقة، تَعتبر الجهاتُ المعبرة عنها أن إمكانية تسريعوتيرةالإصلاحوالتغييرممكنةلأنتحقيقالوعيالمجتمعيمعهايبدومتاحا، والرهان هنا يكون على الخطاب المعبِّر عن طموحاتها بنوع من المغازلة المائلة نحو الواقعية المفرطة في استحضار مصالحها،ويبتعدقدرالإمكانعنأيخطابيرومتغييراجذريالطبيعة الدولة.من هذا المنطلق، فهذا الخطاب،يراهن على تغيير منطق الدولة لصالح المجتمع، وخلق مصالحة مجتمعية تكون فيها الدولة تعبيرا عن مصالح المجتمع بغض النظر عن طبيعة الأشخاص الممثلين للدولة، أو صيغة النظام الذي سيتولى الحكم مادام يحمل الصفة المجتمعية، والتاريخ أثبت أنه كلما بلغ الصراع بين هذه الأحزاب والدولة أشده تلجأ إلى تقديم تنازلاتلصالح الدولة “القوية” بما يحقق نوعا من حقن دماء ومصير المجتمع، وفي الآن نفسه يحافظ على استمرار مؤسساتها / أحزابها في التواجد مجتمعيا، ولا سيما، على مستوى الوجدان الشعبي والميول الفكرية بما يحقق استمرار مبدأ الهيمنة الثقافية،بالإضافة إلى إيمانها بأن انمحاءها هو إعدام لصوت الطبقة الوسطى، وبالتالي نهاية تامة لصوت المعارضة المؤسسة على فكر طبقي في بعده المؤسسي العقلاني، ومن هذا المنطلق، أيضا، تجد الدولة نفسها مجبرة على تقديم تنازلات لصالح هذا التوجه، اعتبارا لكونه يحقق توازنا سياسيا في مستوى المجتمع، ويعطي شرعية لمؤسسات التمثيل المجتمعي (برلمان / مناديب العمال / نقابات…) ويحافظ على نوع من الاستقرار المجتمعي، ويساهم في تسويق الديمقراطية السياسية خارجيا، وفي الآن ذاته، يحقق نوعا من الدينامية السياسية والاجتماعية في البلاد التي تبرر للدولة أحيانا تغيير جلدها السياسي على مستوى الخطاب الذي تعبر عنه بعض الأحزاب والمؤسسات التي تنطق باسمها أو بدلا عنها.
2- الخطاب التبعيمحدداته ورهاناته:
هذا الخطاب يشكل نوعا من الواجهة السياسية للدولة، وبه تُحقق نوعا من التبرير السياسي لوجودها دوليا على الخصوص، بدعوى أنه يعبر عن حاجة المجتمع لها ولخطابها الذي يستهلكه بشكل مستديم.وهو بذلك خطابيبرر استمرارها. وتبعالذلك فهذه الأحزاب المتبنية لهذا الخطابغير منتجة في مستوى القرار أو التدبير السياسي، وإنما تجتهد لإنتاج التبرير المناسب لإبداع الدولة، وهذا التبرير هو ما يتم التسويق له إعلاميا بشكل كبير، وتستغل لذلك انخفاض منسوب الوعي السياسي المجتمعي، وعدم جاهزية المجتمع للمقاومة الحاسمة، وهي بذلك تساهم في استدامة التدبير السياسي والاقتصادي الذي تتبناه الدولة،فهي معنية بالمدبِّر لا بالتدبير، معنية بالمخاطِب لا بالخطاب.وهذه الأحزاب، أيضا، غير مُجْهَدة وغير مَعْنِية بإنتاج وبناء خطاب سياسي يعبر عن ذاتها مادامت خالية من أي هوية سياسية واضحة،وتنقلها بين المعارضة والموالاة لا يتم بموجب موقف أو موقع طبقي، وإنما بتصريف لحظي موجَّه ومتحكم فيه، وقد يفضي التدبير إلى تغيير اسم الإطار السياسي، وتغيير مسيريه لكنه لا يؤدي إلى تغيير أو إصلاح خطاب سياسي، ولذلك فهذه الأحزاب، من حيث طبيعتها، تشبه الدولة، فقد يتغير الأشخاص دون تغير الجوهر؛فالدولة، بدورها، قد تغير خطابها وجلدها دون تغيير جوهرها، وتبعا لذلك، فرهانها يتجه نحو استقطاب الدولة ورموزها، لا إلى استقطاب طبقات المجتمع وفئاته، كما أن رهانها المجتمعي لا يتجاوز حدود ضمان إقناع الدولة باستمراريتها باعتبارها تابعة لها، ولذلك فهي معارضة للمجتمع لا للدولة، وتعتبر أن المجتمع هو سبب التخلف لأنه ليس في مستوى اللحاق بخطاب الدولة واستراتيجيتها، وهو بذلك، يشكل العامل المعرقل لأي تطور ممكن، ويساعده في عرقلته هذه الخطاب المعارض بشقيه الراديكالي والوسطي، بحكم أنه “يشوه حقيقة خطاب الدولة” وبالتالي يشوه خطاب أحزاب الدولة.وبهذا، فهو لا يستبعد إمكانية تغيير المجتمع لا الدولة، في حدود توفر شروط دولية معينة، لا تستحضر أبعادا وطنية محضة.
على سبيل الختم:
لا يمكن الجزم بأن الوضع السياسي المغربي غير قابل للتطور في مستوى الخيارات الكبرى، لأن المجتمع مهما تقلص مستوى وعيه الفكري والإيديولوجي، لا يمكن الحكم باستدامة خضوعه السياسي، ولذلك فاعتمال هذه الخطابات، وتناقضها، وصراعها لا محالة سيؤدي إلى انتقاء خطابمقنع مجتمعيا بضرورة الانخراط السياسي، اعتبارا لأن التخلف المغربي راجع إلى قرار سياسي بالأساس، ولذلك فالجزم بأن الخطابات، وإن كانتمشتركة ومتماثلة في مستوى الواجهة، فهي لا تعكس حقيقة الاصطفافات السياسية والاجتماعية، ولذلك فهي تقتضي نوعا من إعمال آلية الفرز الخطابي ذات الصلة بالفرز المجتمعي والطبقي، وهذه مسؤولية المؤسسات السياسية المعارضة، على الأقل، لأنها هي التي تعاني من سرقة خطابها أحيانا من لدن الدولةوأحزابها لتبرير وقائع لحظية، أو استقطاب فئات متضررة.
وبمنطق النفعية المجتمعية، فالتكتلات المتقاربة أيديولوجيا تقتضي توحيد الخطاب والجهد لتوحيد الاصطفاف، وخلق وحدة فئوية وطبقية تمكن من اختزال الزمن السياسي، لا لصالح خطاب بعينه، ولكنْ لصالح وطن بأكمله.