cnimaroc

الثقافة وإيديولوجية التعمية

9 فبراير 2020 - 11:52 م أخبار و أنشطة , في الواجهة , مقالات الرأي
10003124_587073374709966_922857718_n

بقلم: د.حميد اتباتو

عاشت الثقافة دوما حقيقتها باعتبارها علاقة اجتماعية، وهو ما ألزمها تاريخيا ببناء مواقف من المجتمع وما يعتمل فيه، ومن محن الناس واحتياجهم وما يقوض مسعاهم للتحرر. ترجم هذا بصيغة مواقف نضالية، وممارسات مضادة في السياسة والنقابة، والعمل المدني، ومن خلال أبحاث، ومعارف، وأشعار، ولوحات، ونصوص نثرية، وأعمال مرئية، وخطابات فكرية، وأشكال متعددة من التعبيرات الفنية، سعى من خلالها المبدعون والمثقفون إلى ترجمة موقفهم من محن الواقع، وقهر الناس، وساهموا بذلك في حماية الوجود الكريم والفاعل للناس، والثقافة، والوطن. بلورت الثقافة الحقيقية في كل تاريخها مواقف متقدمة تنتصر للمغلوبين وتمجد الوعي الإيجابي، وتسهم في إنضاجه لدى حامليه، وهو ما انطبق على الثقافة المغربية بشكل واضح في عقود ماضية حيث تم ربط الرهان الثقافي برهان التحرر والتغيير الاجتماعي. إنه ما يراد له أن يصير قناعة متجاوزة يهم التبرؤ منها في سياق يمجد النزوعات الذاتية والانتفاعية والانتهازية، ويمجد ما يعمق خواء الثقافة والوجود في الوطن، وفي أعماق أهله.

يعيش الموقف الثقافي الفاعل واقع انهزامه المر، بعد تسييد ما يسخفه بصيغ عديدة منها التشهير به، ومصادرة ما يبنيه، وقطع الجذور التي تقويه، وهدم البنيات العامة التي كانت تحضنه باعتباره فعلا صادقا وأصيلا كما حال المجال التعليمي، والعمل المدني، والممارسة السياسية، ومجموع قنوات المجتمع التي كانت تبني مناعة الوعي وتقويها. لقد أفضت استراتيجية إفناء الموقف الثقافي إلى تحييد دور الحقل في المجتمع، وصار معنى الارتباط بالثقافة والإبداع والفن والممارسة المدنية يختزل في البحث عن صيغ للدعم، ومنافذ للتمويل، وعلاقات تؤمن الحضور في لقاءات أو منابر أو مواقع تعوض أكثر، بل الأخطر صار للمدح والتمجيد وصيغ مجاملة السائد قيمة وسومة في سوق التعويضات،خاصة حين يتعلق الأمر بما يرتبط بالجهات الرسمية، وما تقترحه من مشاريع وتصورات وممارسات، وسياسات، ليس في حقل الثقافة والفن فقط، بل في كل حقول المجتمع.

مفارقات لانهائية يكرسها وضع الهيمنة، وما يعد حقا، وقناعة أصيلة صار جرما يستحق الإدانة والحصار… إن إدانة قمع الناس في جهات عديدة، أو في المسيرات الاحتجاجية عبر ربوع الوطن، ورفض مخططات الجهات الرسمية الساعية إلى إفناء معنى المواطنة، وكرامة المواطن، صار بدعة، والتشهير بتحريم التعبير، وتسييد التفاهة والخواء صار مروقا وخروجا عن الإجماع، ونقد التهافت الرسمي، والتماهي مع أتباع الاستعمار والثقافة الكولونيالية يعد عيبا لا يغتفر، ومناصرة المنسيين في جبال المغرب ومناطقه المهمشة يعد من صميم ثقافة السبعينيات، والمطالبة بالإنصاف، والعدالة، ودمقرطة علاقات المجتمع يعتبر إساءة للمقدسات، والتشبث بصيانة التعليم العمومي، وتحصين الوظيفة التاريخية للجامعة المغربية، والدفاع عن الحق في العلاج المجاني، والتغطية الصحية والاجتماعية للبسطاء هو من صميم العبث، ورفض الشطط، والقهر، والبيروقراطية، والتمييز، وأشكال استغلال المواطنين هو خروج عن الضوابط القانونية ، والمطالبة بالحق في الفن الراقي والإعلام المواطن، والمعرفة الحقة، وما يعزز منطلقات الثقافة الوطنية، والحفاظ على المكونات الثقافية والتراثية العميقة من صميم ما هو عدمي، ونقد التحديث الفج والحداثة التلفيقية، وأشكال التبعية العمياء من صميم التخلف…

صار حصار الموقف الثقافي استراتيجية ممنهجة بدأت في سبعينيات القرن الماضي بالاعتقال أو النفي للفاعلين الثقافيين والمدنيين، واستمرت من خلال التضييق المادي والمعنوي على مجالاتهم بقوانين ومذكرات الحرمان من الدعم، وتتحقق الآن من خلال تسييد ما يسفه الثقافة، والمواقف الممانعة المرتبطة بها، ويدفع موقفها نحو الحياد، وحين يقبل المرتبط بالثقافة بأن تستكين مكوناتها، وإنتاجاتها، ومواقفها لما تريده لها استراتيجية الهيمنة، يكون قد ساهم في خدمة إيديولوجيا التعمية التي هي حسب الكبار «عملية يحققها المثقف بشكل واع، لكن بوعي زائف». وعي يجد في رضى المؤسسة الرسمية أو دعمها ما يشجعه على اعتبار ما يدافع عنه ويكرسه من صميم الحقيقة المطلقة، وهو ما يعصف بموضوعية الثقافة ووظائفها التاريخية.إنه ما يلزمنا بتأكيد قيمة رفض لاستراتيجية التعمية ونقضها، ومناصرة ثقافة الممانعة باعتبارها ضرورة تاريخية اليوم وأبدا لمواجهة السائد في الثقافة نفسها، والوعي، والمجتمع بكل حقوله.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *