cnimaroc

ما بعد كورونا … تأويلات جيوسياسية لإعادة بناء الدولة الاجتماعية (الجزءالأول) -1-

1 مايو 2020 - 9:51 م مواقفنــا , إصدارات و منشورات , أخبار و أنشطة , في الواجهة

إعداد: عبد المجيد العموري بوعزة*

توطئة 

كورونا وما بعد كورونا…  أسئلة تقدمأجوبة .واجوبة تتحول الى  أسئلة…  الكل مفتوح على اليقين و اللايقين، Certitude et Incertitude الكائنوالممكن،المرئي والمخفي،Visible et Invisible العلم اوالايمان Science et Croyance،الشمولية و اللاشمولية Globalisation et  Dé-globalisation   الدولة المتدخلة و المنسحبة، Etatisation et D’étatisation  المحكومية و الحرية، Gouvernementalité et  Liberté  الفردانية و الجماعية،individualisme et collectivisme  …. ثنائيات عديدة بمستويات كونية ومحلية، تتسرب الى تفاصيل المسائلات والاجتهادات … تصطدم  عضويابتفاصيل الواقع الملموس، و الواقع مبني فكريا او تحليليا. هو ذاته سياق   اعداد نص هذه الكتابة، لصياغة تأويلات ممكنة او مستبعدة، لتأكيد فرضيات وفرضيات مضادة، بين السعادة الفكرية لانتصار حلم محتمل،  وقلق فكري عند تدبير الازمة والصدمة ونتائجها، بدون مسائلة أصول أسبابها ومسبباتها   … فهو نص لتأويل شكل الواقع ومضامينه، كما تبدو أحيانا واضحة  ومنطقية وغامضة ومتناقضة أحيانا أخرى . نص مكتوباستقر  على جزئين :

الجزء الأول، يتعلق بملامسة أسئلة  تأويل التحول الجيوسياسي بعد جائحة كرونا .

والجزء الثاني يشمل التأويلات الممكنة حول استعجالية الاجتماعي،في الدولة الاجتماعية  بعد الجائحة ….. و المنتظر والغير المنتظر كيفما حصل يصبح منظورا  أيضا  …

الجزء الأول : ما بعد كورونا … تأويلات  التحول جيوسياسي

تقديم افتتاحي في بناء التأويل 

ما طبيعة التأثيرات او التحولات او حتى التغيرات القائمة او المتوقعة في بنية عالم الدول  في ضل وما بعد جائحة كرونا ومرض كوفيذ19 . سؤال يتردد ويتضخم حضوره بشكل واضح على كل المستويات. والاجابات في صياغة الحاضر والمستقبل، متعددة ومتناقضة ،إيجابية وأيضا سلبية، مهدئة ومرعبة، متقاربة ومتباعدة في المبنى والمعنى والتأويل …  لكن هذا التشتت المتضخم، في بناء السؤال وصناعة الإجابات والتقديرات الاحتمالية، لرسم معالم التخطيط للتغيير والتحول …  يمكن تفسيره بتعدد مواقع المتدخلين المتحدثين، وبتباعد مصالحهم ومرجعياتهم الفكرية والسياسية، وقربهم او ابتعادهم من مصادر القرار،  من بينهم الدول ومواقعها في خريطة القوة العالمية،  والمؤسسات الاقتصادية والمالية ، والمقاولات متعددة الجنسيات، و الباحثين والمفكرين والخبراء والفاعليين الاجتماعيين والتنظيمات النقابية  والمدنية ….لكن الأهم في هذه المقاربات والاجتهادات، تنطلق من فعل الارباك الحاصل في  المنظوماتاليقينة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للدول القائمة قبل هده الجائحة العالمية،  في محاولة منها  للسيطرة المتجددة على اللايقين الذي افرزته هذه المستويات، بسبب اصابتها بفيروس جائحي شمولي ومعولم.  مع احتمال بناء اجتهادات  لصياغة مهام جديدة للعالم السياسي والاقتصادي والاجتماعي،ومحاولة وضعه في خانة التوقع والتخطيط  للمستقبل القريب جدا و المتوسط

فالمؤكد و في الواقع الملموس، وبسبب هذه الحائحة،  نكتشف يوميا مواقف واراء وسلوكيات وتحولات غير مسبوقة  (ميكرو- سوسيولوجية)، على مستوى  الافراد والمجموعات البشرية، والعلاقات الاجتماعية والمهنية والاسرية ,,,. بل أيضا تحولات عميقة (ماكرو- سوسولوجية)  في العلاقات بين الدول، وفي بنية الدولة ذاتها، واهتزاز واضح وغير معلن في جميع المرتكزات البراديكماتية،pradigmatique  واليقينيات المؤسسة للنموذج السياسي والاقتصادي والاجتماعي،  المهيمن و المنشط  لتوجهات العامة للعلاقات جيوسياسية ونموذجها النيولبيرلي الأحادي القطبية.فمرض كوفيد 19  كجائحة عالمية،  تقمصت في هيمنتها وسيطرتها الانتشارية عبر العالم،  على الانتقال الشموليالمعولمvirus délocalisé  globalisé et mondialisé وهي صفات (في تقدير العديد من الخبراء والمختصين ليست صدفة طبيعية في هذا الفيروس بالذات بل ضهوره مرتبط عضويا بنفس البنية الجيوسياسية المهيمنة عل العالم) ستسرع من وثيرة اكتشاف او تقديم او تبرير  محدودية وهشاشة النموذج القائم، بل انهياره وتوقفه الى درجة توصيفه بحرب عالمية،تستعمل فيها معرفة استراتيجية غير حربية ، وجنود واسلحة  وتجهيزات غير عسكرية، في معركة غير محددة جغرافيا، وبعدو غير مرئي. فقد اصبحــت الأدوات والأســلحة  المستخدمةهــي الكمامــات، وآلات الفحــص الطبــي، وأجهــزة التنفــس الصناعــي، والحجز الصحي، وصــار الجنــود المقاتلــون في الخط الامامي، هــم الأطبــاء والممرضــون، وســائقو عربــات الإســعاف…..واصبحت الخطوط الخلفية للمواجهة مرتبطة بمهن التموين الأساسية … وانكشف للمجتمع و للنظم السياسية للدول، ضخامة وهول سقوط  خيارات الاستثمار الجنوني في التسلح ضد الانسان،  عوض الاستثمار لصالح الانسان وحاجياته الأساسية.  فهل نحن اما مقدمات تأسيسية لانهيار نظرية الامن  القوميوالقوة العسكرية،  للسيطرة على النظام العالمي، بسبب هزيمتها الكاملة ، وعدم قدرتها على مواجهة خطر فيروسي، فرض ايقاع أسلحته الخاصة  بتغيير وجه النظام العالمي؟ وهل هذا يعني أيضا تدشين مفهوم القوة الاجتماعية للدولة وللمجتمع، والاستثمار في ضحايا العهد السابق كالصحة والحماية الاجتماعية والتعليم والمعرفة والحقوق الإنسانية….؟

فلغة حرب مختلفة مسيطرة ، في مواجهة العالم الفيروسي. لكنها أيضا قائمة في مواجهات العالم الواقعي. وككل الحروب في التاريخ البشري، اما انها تكتب بلغة المنتصر، فيفرض فيها ارادته.  او انها تنتهي بتوافقات او تفاهمات جديدة.  وهناك إشارات دقيقة، يفصح عنها في اغلب مراكز قرار القوة العالمية،  بان  النموذج النيو ليبرالي،  في بنائه وانتشاره الاديوسياسي، بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية، لم يعد مفيدا ليس فقط لمواجهة اخطار فيروسية جديدة ، بل الأهم انه لم يعد مفيدا حتى  لأصحابه وصناعه والمروجين له،وربما اصبح سلاحا يضعفهم، ويفكك انتصاراتهم، ويسحب منهم مصادر القوة المتراكمة المكتسبة، بالإكراه والعنف على الأقل منذ سقوط جدار برلين.  و هل هذا يعني في مستوى اخر ان النموذج اصبح مفيدا للأخرين  سياسا و اقتصاديا وتجاريا ، حتى في مجال المواجهة الفيروسية وتطويق انتشارها .فالإجماع الحاصل ان مصادر القوة العالمية تتحرك وتنتقل ( ان لم تكن قد انتقلت فعلا ) تدريجيا الى مساحات جديدة،خلال 5 او 10 السنوات المقبلة.

فعــالم الاجتــماع الألمــاني أولريــشبيــك  في كتابة الشيق ” مجتمع المخاطر ” وكتابه الثاني ” مجتمع المخاطر العالمي: بحثا عن الأمان المفقود” الصادرين في فترة التسعينيات من القرن الماضي، ( الطبعة العربية الأولى صادرة عن المركز القومي للترجمة سنة 2013 )  قد تمكن من رصد  مخاطر الحداثة المعولمة  على الانسان والبيئة والاقتصاد والامن.  خصوصا عندما وصفها بالمخاطــر الطيــارة،  وهي مخاطر ليست لها جنسية بشرية، و وغير مرئية و عابــرة للحــدود بدون تأشيرة مرور،( تخيل مميزات التشابه بين المخاطر الطيارة للمال والرأسمال و المخاطر الطيارة لفيروس كورونا) والتــي يمكــن أن تدمر العــالم أجمــع، وهي نفس الفكرة التي ركز عليها عالم الاجتماع البولندي  زيجمونت باومان،  عندما صورها في صيغة “الحداثــة الســائلة”. و “عالم منفلت ” للباحث الأمريكي انتوني جيدنز ….. فتضخمسيولة  المخاصر المنفلتة والسائلة، وصولا الى هذه الجائحة … هل تنقلنا الى فرص  ممكنة كونيا ومحليا تكون اقل خطورة على حقوق الانسان في الحياة، واقل انفلاتا من حاجياته الأساسية ، والاقل سيولة وعبورا لمصالح المال والرأسمال…

فالمعطياتتشير الى الاندهاش العارم،والهشاشةالفاضحة، والمخاطر الطيارة،  لمفاتيح مؤسسة للتبشير بعالم ليبرالي معولم، شمولي ومتنقل، ومفتوح وسائل، ومنفلت بالكامل،Mondialisation -globalisation-délocalisation-libéralisation وسقوطه كمفاتيح تبشيرية في زمن قياسي، بسبب فيروس جائحي،  يمتلك في تركيبته البيولوجية  والجينية نفس المواصفات. ولا يمكن القضاء على انتشاره بدون حواجز مانعة او مواد ممنعة … فالعولمة الشمولية la mondialisation globalisé والتنقل الحر  للفكر الأحادي ، والمتحرر من كل قوة ضابطة ومعدلة  سياسيا واقتصاديا، اجتماعيا وتشريعيا ومؤسساتيا وحتى أخلاقيا. ينتج ترهلها واندحارها. فالكثير من الشمولية القطبية الأحادية، يقتلها في بنيتها الداخلية. فالدعوات قائمة لا ريب فيها، حول ضرورة إعادة  بناءهعلى نموذج اخر للتوافقات العالمية،تعتمد ( مفهوم التوطين و اللاشمولية و القطرية Déglobalisation- Relocalisation – Nationalisation) او ضرورة  إعادة تركيبه على دعوات سابقة، تقوم على  أنسنة العولمة Humanisé la mondialisation اوالانسان العالمي le citoyen du Monde اوالشمولية الاجتماعية La globalisation sociale   . او إعادة النضر في  أسباب الفشل الكبير كونيا ومحليا  لأجندات عالمية، كبرنامج الالفية الثالثة ( 2000-2015) ، وتوافقات العدالة المناخية،  ومشروع العمل اللائق والكريم للجميع، بما فيها اجندة اهداف التنمية المستدامة 2030  ODD.

والسؤال يضل مشروعا عندما نسمع او نقرا تصريحات واضحة او مشفرة، من طرف مراكز القرار العالمي، حتى قبل الجائحة وفي قلبها، بفقدانها الثقة والسيطرة والتحكم في نظام العولمة لمصلحتها. وفي المقابل نجد مراكز قرار ناشئة، ومتمتعة بنشاط الثقة في تراكم القوةوالقدرة، للسيطرة على نظام العولمة، وتحويله بالكامل لمصلحتها. وهل هذا معناه ،انه لن يكون هناك تغيير، بل فقط انتقال محتمل لمركز القوة العالمي،  من القرن الغربي الامريكي الى القرن الاسيوي الصيني؟  وهل بهذه السهولة، سيقبل اصحاب القوة الحالية، وبهذه البساطة انسحابها منهم؟ ام لديهم استعداد للمواجهة؟ وهل هذه المواجهة ممكنة وبأية طريقة ؟ هل ستستعمل فيها القوة الناعمة ام القوة العنيفة؟ وأين ستقع هذه المواجهة بهدف إعادة صياغة توافقات جديدة لإدارة العالم  ؟ وكيفما كان الحال، فسيناريو المواجهة قائم وسيستمر مع الصين، كمصدر جغرافي للمرض الفيروسي، وكخطر سياسي واقتصادي كبير . لكن سيناريو اخر بدأت كتابته،  عندما انتقل الفيروس الصيني من وباء  محلي Localisé ، الى  جائحة عالمية،  منفلتة وسائلة ومتنقلة Délocalisé . فتحول من فيروس صيني يهدد العالم الحر   الى كثافة فيروسية La charge virale du virus خطيرة تصيب  وتتجاوز وتهدد  أسس المناعة الذاتية والجسدية  للعولمة النيو ليبرالية، وظهرت اعراض تنفسها  الشمولي في العالم ، وارتفعت درجة حرارة مميتة لنشاطها العابر للقرات، في اقل من 20 يوما فترة حضانة المرض،  فتعالت أصوات الحجز الذاتي والابتعاد عن الاخر…. واصوات ترتفع بمراجعة عميقة لمسلكيات شموليتها …. واصوات عودة الدولة القوية كدواء للداء …… فبغض النظر عن الاحكام السلبية او الإيجابية لهذه التقاطعات في تفاصيل هذه الاعراض  المرضية المتشابهة  Ressemblance symptomatique   والوصفات العلاجية المقترحة .( راجع الصراع القائم حاليا بين اطراف متعددة حول تعدد الوصفات المقترحة بما فيها اللقاح الخاص بمرض كوفيد 19/ وعموما هو صراع بين مؤسساتعالميةصناعة الادوية الطبية القائمة على طب التجارب الاكلينيكية Médecine des essais cliniques  ومختبرات صحية عمومية  في الغالب  او اجتهادات غير ربحية منظمة تقوم على طب التجريب  بالملاحظة او بالمراقبة Médecine des essais observationnelles   ) فالاهم في الموضوع، ان فيروسا ميكروسكوبيا، فرصة  ستسرع من عملية  استرجاع قيمة انتاج السؤال والمسائلة النقدية، للمنظومات القائمة، في ضل الاحتمال المؤكد للصراع والتناقض المتجدد والدائم حول صناعة البدائل …

يُتبع…

*عضو المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل