cnimaroc

ما بعد كورونا … تأويلات جيوسياسية لإعادة بناء الدولة الاجتماعية (الجزءالأول) -2-

2 مايو 2020 - 5:58 م مواقفنــا , إصدارات و منشورات , أخبار و أنشطة , في الواجهة

إعداد: عبد المجيد العموري بوعزة*

توطئة 

كورونا وما بعد كورونا…  أسئلة تقدمأجوبة .واجوبة تتحول الى  أسئلة…  الكل مفتوح على اليقين و اللايقين، Certitude et Incertitude الكائنوالممكن،المرئي والمخفي،Visible et Invisible العلم اوالايمان Science et Croyance،الشمولية و اللاشمولية Globalisation et  Dé-globalisation   الدولة المتدخلة و المنسحبة، Etatisation et D’étatisation  المحكومية و الحرية، Gouvernementalité et  Liberté  الفردانية و الجماعية،individualisme et collectivisme  …. ثنائيات عديدة بمستويات كونية ومحلية، تتسرب الى تفاصيل المسائلات والاجتهادات … تصطدم  عضويابتفاصيل الواقع الملموس، و الواقع مبني فكريا او تحليليا. هو ذاته سياق   اعداد نص هذه الكتابة، لصياغة تأويلات ممكنة او مستبعدة، لتأكيد فرضيات وفرضيات مضادة، بين السعادة الفكرية لانتصار حلم محتمل،  وقلق فكري عند تدبير الازمة والصدمة ونتائجها، بدون مسائلة أصول أسبابها ومسبباتها   … فهو نص لتأويل شكل الواقع ومضامينه، كما تبدو أحيانا واضحة  ومنطقية وغامضة ومتناقضة أحيانا أخرى . نص مكتوباستقر  على جزئين :

الجزء الأول، يتعلق بملامسة أسئلة  تأويل التحول الجيوسياسي بعد جائحة كرونا .

والجزء الثاني يشمل التأويلات الممكنة حول استعجالية الاجتماعي،في الدولة الاجتماعية  بعد الجائحة ….. و المنتظر والغير المنتظر كيفما حصل يصبح منظورا  أيضا  …

تأويلات صناعة البدائل … لكن كيف و لمصلحة من   ؟

بعد جائحة كورونا لن يكون العالم،بدوله ومؤسساته وتنظيماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مثل ما كان قبلها … بنية خطابية تقريبا مسيطرة على كل الأسئلة والاجابات المرسومة لمابعد الجائحة.  بين كل من انتدب نفسه للحديث بشكل مستقل يعتمد فقط موارده كباحث او مفكر او فاعل اجتماعي من جهة … وكل من فوض له حق التكلمباسم مؤسسات مالية اقتصادية وتجمعات دولية نافذة، اودول مقررة في الحياة الدولية من جهة أخرى. ….  فالتنبؤ او التوقع المبرمج علميا، او المخطط له سياسا، ربما له في الحالتين ما يبرر مصداقيته او مشروعيته. فمنهم من يؤكد على فرضية القطيعة العنيفة بين العالمين. (Rupture violente) وهناك من يفترض تحولسعيد (transformation heureuse).والبعض الاخر يركز على انتقال تدريجي (transition progressive) بين قبلوالان وبعد. وبالرغم من اختلاف مضامينها ونوافذ رؤيتها لموضوع التغير المحتمل. فبنية خطابها الافتراضي موحدة. فقط اختلاف في درجات التوقع  بين القطيعة والتحول والانتقال.

فرهانات تأويل صناعة البدائل للتحول الممكن بعد جائحة كرونا. هي بالضرورة موضوع اختلاف قائم اليوم، من جهة في البنية الداخلية للنموذج النيو ليبرالي، وإمكانية استمراريته بعد الجائحة، بفرض التشابه الشمولي الايديولوجي والسياسي، بقيادة قطبية أحاديه.   ومن جهة أخرى،في البنية الداخلية لتعدد نماذج الدولة القطرية، وإمكانية استمراريتها بعد الجائحة، بقبول الاختلاف الايديو– سياسي بقيادة قطبية متعددة.  فالصراع والمفاوضات الجانبية، او بوسائل غير تفاوضية قائمة، وبحدة غير مسبوقة، بين اللاعب او اللاعبون الكبار، حول كيفية وطريقة إعادة توزيع اللعب بينهم (les joueurs et les joués)، فالصراع الأصلي عبر التاريخ، يتم بين المالكون القائمون بالفعل، والمالكون الصاعدون بالقوة، عندما تبدو لهم فرص التغيير او الانتقال او التحرر من مساحة المملوكين بالفعل.  Possédants et possédés

لكن السؤال الجوهري، ليس في درجة التغيير الممكن بعد جائحة كرونا، او في درجتها المحتملة بين القطيعة او التحول او الانتقال. بل هل سيكون هذا التغير، او النموذج المحتمل لإعادة تدبير العالم بعد الجائحة مرة اخري، في مصلحة اللاعب  الواحداو عدة لاعبون،  المالك بالفعل، او المملوك بالقوة؟بعبارة اخرى هل سيكون في مصلحة عودة الدولة كلعبة مملوكة بالقوة، ام في مصلحة المال والرأسمال كمالك ولاعب بالفعل؟وبصيغة أكثر طموحا في التأويل. هل سيكون في مصلحة انقاد الانسان والإنسانية، ام سننتهيمرة اخرىبإنقاذ الاقتصاد المالي ونموذجه الليبرالي المتطرف؟ (كما حدث ابان الحرب العالمية 1 و2 وما حدث بعد سقوط جدار برلين، وبالمنطقة العربية في بداية القرن (سقوط بغداد)،والازمة المالية العالمية  2008 والانتفاضات العربية في بداية العشرية الثانية من القرن الحالي 2011  ….. الخ ) ام هو مجرد تحول او  انتقال لمراكز القوة العالمية من الأحادية الى التعددية القطبية عبر إعادة ترتيب قوانين اللعبة بينهم؟

فبمجرد طرح هذا السؤال وحتى بدون الحسم في الأجوبة المتعددة، فهو بذاته سؤال يزعج ويقلق ويفكك المنظومة الايمانية، والقداسة المفرطة، واليقين الشمولي، في النموذج النيو ليبرالي القائم، المنشط الوحيد تقريبا لنهاية الدولة، او التقليل من وجودها ومسؤولياتها. D’étatisation ولنهاية الدولة السياسة،Désengagement – Déréglementation – Dérégulation ودولة الرعاية ; محاصرةتجلياتهاProvidence.Etat، والتبشير لنهاية التاريخ او الغائه، ولنهاية الانسان او تشيئه. فجائحة كرونا بذكائها الانتشاري، فرضت من جهة،  القليل من نظرية السوق، و سقوط سلاسل التوريد، وافرزت هشاشة المنافسة والمردودية،ومحدودية الحركية الحرة للمال والرأسمال… وفي المقابل، ابرزت النقيض  والمتعارض والمختلف خلال هذه الجائحة، بالكثير من الدولة التدخلية، Etatisation interventionniste والإجراءات الحمائية، والقرارات الاجتماعية والسياسية والصحية والوقائية،  والتأكيد على الحاجيات الأساسية والضرورية والغير المرضيةbesoins essentiels non satisfaits لحياة الانسان، في ضل الحجز والاستثناء الصحي واثاره الاقتصادية والاجتماعية.

وهذه مجرد مشاهدةفوتوغرافية  لما يحصل الان. فالمطالبة الملحة منذ عقود، بضرورة إعادة الاعتبار لمكانة الدولة، ولحاجيات الانسان الأساسية، في التخطيط السياسي والاقتصادي والاجتماعي والبيئي للدول وللعالم.  كانت ومازالت تتعرض للاستهجان  والاستخفاف . فتمت تشيئةالانسان ، وانسحبت الدولة من مسؤولياتها ، بل استعملت ووظفت،  ليتحولا معا ( دولة وانسان) الى مجرد وسائل وأدوات، مساعدة باقل كلفة لخدمة مصلحة السوق والمال والرأسمال ومنطق الاعمال .

وعموما فجائحة كرونا، عززت او ساهمت او سرعت بطريقتها واسلوبها الفيروسي،بعودة قصرية للدولة، وعودة الزاميةللاهتمام  بالحاجيات الأساسية للإنسان، طبعا بمستويات مختلفة بين الدول، وبأسئلة نقدية حارقة.   فأزمة او صدمة كوفيد 19 جعلت الدول، تنتبه لأصل وجودها، وتكتشف أيضا حجم فراغها، وهول عجزها، وضخامة هشاشتها (حتى بالنسبة للدول التي تعتبر نفسها في خانة الأقوياء)  في أداء مهمتها الأساسية، في حماية الوطن والمواطنين.  ويوصف ذ عبد الله ساعف، في احدى مداخلاته القوية بكلية الحقوق بالرباط، ان هذه الصدمة، “تشكل اختبارا بل امتحان جدري، اتي بطريقة عنيفة وغير اعتيادية، وبشكل مفاجئ، وبحجم لم يكن متوقعا…”  فالدولة والعالم باسره، يؤكد الباحث السوسيولوجي ادغار موران “يكتشف درجة اللايقين في اليقين” وانكشاف واضح  لدرجة التحكم في العنف المبرمج، الذي تمارسه الدول ضد بعضها البعض. ودرجة الانفلات الكامل، في العنف الغير المبرمج و المفاجئ او المتسرب، وضخامةفعله التدميري على الجميع.  الى درجة التوقف الكامل للحياة الاجتماعية  والثقافية العادية، و للدورة الاقتصادية  في العديد من المرافق الإنتاجية  للسلع والخدمات والممتلكات الغير الأساسية  بالعالم اسره . فبمجرد ان استقر مرض كوفيد 19 في قلب العولمة،اكتشفت الدول في العالم  انها محاط بغموض كبير،  يزعزع قداسة اليقين التبشيري  في النماذج  الشمولية القائمة كحل وحيد ، و اكتشفت  محدودية وهم السيطرة على الطبيعة،  والوقوف عارية امام جهلها بأصل الداء والدواء … فقد خضعت / تحالفت الدولة والمال والرأسمال للاهتمام بكل شيء… الا  اهتمامها  بالحقوق الإنسانية  ، و بحاجيات الانسان – المواطن .

وكيفما كانت توجهات التوقع لما بعد كورونا، فالدولة في مختلف انحاء العالم، وجدت نفسها وفي لحظة زمنية،تنتقل وبسرعة قياسية من الانغماس الوظيفي للتدبير الاوتوماتيكي لسياسة التوازنات التقنومالية، والمؤشرات الماكر واقتصادية المتكررة، كما يؤكد  على ذلك المفكر الان سبيوpilotage automatique de la politique ،  الى الارتطام المفتوح على عدة واجهات  وجبهات متداخلة ومتكاملة ومعقدة، وملزمة باستعادة جاهزيتها المفقودة للتفاعل من جهة،  مع  جبهة الجائحة وتوقيف انتشارها.  ومن جهة ثانية، مع جبهة التوقف الشبه الكامل للدورة الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية.  و مضطرة لاتخاذ قرارات غير مسبوقة، لمواجهة النتائج المترتبة عن حالة الاستثناء والطوارئ الصحية.

فالجمهور العام يكتشف الحضور القوى للدولة في المجال العام، بفرض قرارات التباعد الجسدي، وحالة الاستثناء والطوارئ والحجز الصحي، وحضر التجول والتنقل والتجمع، وإقامة حواجز لمختلف الفرق الامنية لمراقبة التحرك في الاماكن العامة، او من مدينة الى أخرى، الا بتصريح مكتوب وموقع لأسباب محددة  ومقننة سلفا. واغلاق جميع أماكن التواجد البشري، من حضانات ومدارس وجامعات ومساجد وكنائس، والمواسم والمقاهي والمطاعم والمراحيض العمومية، وطقوس الافراح والجنائز والزيارات العائلية .  بالإضافة تطبيق القواعد الحاجزية او المانعة لانتشار المرض، بإجبارية وضع الكمامات، وقواعد سلوك للنظافة، و سن قواعد للعمل والاجتماعات عن بعد، والتسوق بالمسافات الجسدية، بالإضافة الى اطلاق منصات رقمية ذكية للتعقب الفردي والشخصي …. بغطاء الحماية والوقاية الصحية من الإصابة ( ابقا فدارك تحمي راسك وبلادك)

هذه المستويات التدخلية الغير المسبوقة للحد من التوسع الجائحي،  أدت او فرضت  بطبيعتها الى التوقف الشبه الكامل للدورة الاقتصادية والاجتماعية. وفرضت على الدولة الانتقال الى مستوى اخر من التدخل،  في مجال العناية  الصحة العمومية، والتجهيز البشري والمادي و التكنو-طبي والتكفل الاستشفائي المجاني،   وحماية  الحد الأدنى من الدخل،  و تامين الحماية الاجتماعية للعمال والعاملات،  وتقديم الدعم للعمالة في القطاعات الغير المنظمة، وتأجيل سداد القروض الاستهلاكية او السكنية، وفي الحالات بعض الدول اعفاء أداء فواتير الماء والكهرباء والتواصل والاتصال والانترنيت لما بعد الازمة،  وتفعيل منصات او تطبيقات او مبادرات  التعليم،  او تقديم خدمات إدارية او استهلاكية عن بعد،  و دعم المقاولات والشركات المتضررة من التوقف الكامل او الجزئي لنشاطها، وإعادة جدولة الأنظمة الضريبية والقروض الاستثمارية البنكية، وتسهيلات جمركية وإجراءات سريعة لاستراد بعض الحاجيات الأساسية.

يُتبع…

*عضو المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل