cnimaroc

الأزمة الصحية وضرورة بناء دولة اجتماعية في المغرب

31 مايو 2020 - 4:05 ص أخبار و أنشطة , في الواجهة , مقالات الرأي

بقلم: الدكتور ياسر التمسماني

“من المعلوم أن الأزمة الحالية ليست أزمة صحية فحسب، بل تتعداها لأزمة النموذج الاقتصادي، وبشكل أعمق هي أزمة أفكار. حيث أن هاته الاخيرة، هي التي تسيطر على الاثنتين، وهي التي تحدد معالم المستقبل وحجر الزاوية لبنائه”. 

المستقبل كما يقال، لم يكتب في أي مكان ويجري التحضير له. ومع ذلك، فإن أخذ هاته العبارة كعلامة مسبقة لتغير مستقبلي للواقع لن يساعد بالتأكيد على إعداده. إن صرخات النصر التي يعاد إعلانها قبل الأوان، من قبيل بداية نهاية النيو ليبرالية وعودة دور الدولة لتنسيق وتنظيم الحياة في المجتمع، لن تسفر عن تحليل دقيق لدينامية موازين القوى الموجودة، أو الطريقة التي يمكن أن تحدث بها، ولا حتى درجة قبول الأطراف المستفيدة من تجميد الوضع الراهن، فهل فعلا يمكننا التفكير بجدية في امكانية العودة إلى النسب المرتفعة لاقتطاعات الضريبة على الدخل على غرار سنوات الثمانينيات أو قبل ذلك ؟

بل على العكس مما ذُكر، فإن تبني مثل هذا السلوك من شأنه أن يسهل على القوى المحافظة والمستفيدة من الوضع السابق للأزمة، العودة إلى حالتها “الطبيعية” من خلال تشويه وتهميش القوى التي قاومتها من قبل.

من الممكن أن يشكل الإعداد والاستعداد للمستقبل، في ظل الظروف الحالية، فرصة فريدة من نوعها بسبب ضعف الأفكار والمعتقدات القديمة. حيث لا بد من قراءة تحليلية تتخطى المدى القريب للمنحى الاقتصادي، وتتجاوزه نحو قراءة في الفرضيات والنظريات الأساسية التي أنتجت نظاما ضعيفا (غير فعال وغير متماسك) في مواجهة الصدمات (راجع القسم 3 في حالة المغرب). وبالتالي فإن أفضل استجابة للأزمة الصحية الحالية هي الاستجابة التي تسمح بإدارة الطوارئ، وتضمن الخروج من المعركة بأقل الخسائر بل بتحقيق مكاسب، من خلال تطوير رؤية مدعمة بدلائل واضحة حول نموذج تنموي بديل وعن طريق إظهار عدم جدوى الأفكار والمعتقدات التي بني عليها النموذج الحالي. وهو الأمر الوحيد الذي يعزز مصداقية الرؤية الجماعية ويمكن أن يعطينا سببًا للاعتقاد بأن ما بعد الأزمة قد يكون مختلفا عما قبلها.

  • ·       الأزمة الصحية، أي مخرج مشرف؟

من المعلوم أن الأزمة الحالية ليست أزمة صحية فحسب، بل تتعداها لأزمة النموذج الاقتصادي، وبشكل أعمق هي أزمة أفكار. حيث أن هاته الاخيرة هي التي تسيطر على الاثنتين، وهي التي تحدد معالم المستقبل وحجر الزاوية لبنائه.

بعد كل أزمة بهذا الحجم وبشكل شبه مؤكد، تتمحور النقاشات حول موقع ودور الدولة بالنسبة للسوق الاقتصادية، لتطفو على السطح أغلبية “واجهة” تدعو الى ضرورة التدخل العمومي. ومع ذلك فإن نتيجة معركة الأفكار حول دور الدولة ليست محددة مسبقًا حيث ان أي تقارب في اتجاه خرق الحدود المنيعة بين الدولة الاطفائية والدولة الاجتماعية، لا يمكن أن يكون سوى وهم عابر ناتج عن عدم معرفة مسبقة بالنظريات التي تشكلهما. وهو الأمر الذي يكشفه لنا التاريخ القريب للأزمات الاقتصادية والذي يوجه الباحث عن أسباب نشأة هاته الأزمات وأصولها العميقة للنبش في تجاوزات السوق وسياسات التفكيك والتفرقة المتعمدة للدولة. ومع ذلك، فقد بقيت هاته الاخيرة تستند إلى افتراضات وآمال استمر الواقع في دحضها:

  • لم ينجح تدفق الثروة في القضاء على اللامساواة،
  • عدم ترجمة تفوق وكفاءة القطاع الخاص، إلى قدرة ذاتية على الاستثمار وعدم الحاجة الى الدعم العمومي، بل الأكثر من ذلك لم يقده للابتكار وتخطي العوائق التكنولوجية،
  • لم تسفر المنافسة عن انخفاض الأسعار بسبب عدم استقرارها الزمني. علما ان المنافسة هي نتاج عملية دائمة لتنظيم توازن القوى داخل السوق وليست حالة حتمية له،
  • ترك السوق لحاله ليمدد سلاسل القيمة إلى حد تجريم أي إنتاج محلي للمنتجات الأساسية (موازين الحرارة والأقنعة وما إلى ذلك)،
  • تحرير السوق لم يوسع مجال الحريات الحقيقية، حسب نظرية A.K SEN
  • لم تسفر السيولة النقدية عن تحسين معيشة ورفاهية الأشخاص،
  •  عدم تحقيق أي نوع من التنمية لاقتصار السياسة الاقتصادية على قواعد لاتخاد القرارات يمكن للتكنوقراط إدارتها وتنفيذها بشكل جيد “لمحدودية القدرة على المحاسبة” وأيضا لما يسمى بالإصلاحات الهيكلية “الصديقة للسوق”.

 

ومن المفارقات العجيبة، أنه في وقت الأزمات، يتم اللجوء لنفس الدولة لإنقاذ النظام. وطالما أن الحلول التي تقدمها الدولة في الوقت الراهن لا تتجاوز بعض الإجراءات التلطيفية التي تفرضها حالة الطوارئ، حتى يتسنى لها الوقت الكافي للعمل بشكل أعمق على أزمة أخرى أكثر خطورة، والمتمثلة في إفلاس الأفكار التي كانت السبب في تقهقرها، وأيضا لتمكينها من الفوز بجدال التبريرات، فحتما ستعود القوى المحافظة إلى الواجهة (كيانا وأفكارا)، ليس للتبشير ببراءتها، ولكن لتعزيز وإعادة الاتصال بالنظام الذي كان سائداً قبل الأزمة، وأيضا لتذكير الدولة بمحدودية دورها، الذي يمليه الإطار المرجعي المعياري الذي تمثله النظرية النيو كلاسيكية ونظيرتها الأيديولوجية النيو ليبرالية. والذي تم اختزاله بشكل كبير في الخوصصة وحماية الملكية الخاصة من ناحية ومعالجة إخفاقات السوق ومراقبة جودة عمله من ناحية أخرى.  وهوما يطلق عليه “الحكامة الجيدة”. أو بمعنى اصح الدور الذي يُخضع الدولة لخدمة الأوليغارشية. وهما الدوران المتعارضان مع روح الدولة الاجتماعية.

والواقع أن دور الدولة الاجتماعية ليس مقتصرا على توفير الحد الأدنى من الحماية والأمان، أو في دعم المتدخلين الاقتصاديين الذين يواجهون صعوبات، بل يجب أن يتخذ دورها شكلا عاما وبشكل استباقي. ان الدولة الاجتماعية هي دولة التي تضمن الرفاهية الجماعية وتسعى باستمرار إلى الجمع بين هدف الكفاءة الاقتصادية ومبدأ العدالة الاجتماعية. وعمليا، وبالرجوع إلى تعريف أوسع ل C. Ramaux (2012) ، فإن الدولة الاجتماعية هي المسؤولة عن ضمان الحماية الاجتماعية ، وتنظيم علاقات الشغل وقيادة سياسة توظيف طوعية، مع ضمان جودة الخدمات العمومية وتشجيع للسياسات الاقتصادية ، بما في ذلك السياسة الصناعية .

من جانب أخر وبالنطر للمآسي التي اظهرها الفكر السيادي او الشيوعي في القرن العشرين، فإن الدولة قد تقود الأمور إلى الأسوأ. وبشكل مباشر فإن مفهوم الدولة الاجتماعية يتعارض مع هاتين النظريتين العالميتين لأن مبدأ العدالة الاجتماعية الذي تقوم عليه غير قابل للتجزئة من جهة وينطبق على الجميع بغض النظر عن العرق والجنسية والانتماء السياسي، وهولا ينفصل عن قيم الحرية.

خلاصة ما سبق أن الخروج المشرف من الأزمة الصحية، في المغرب وفي دول أخرى، سيعتمد على نتيجة صراع الأفكار. وفي هذا الاطار تبدو المقارنة بين أزمة عام 1929 وأزمة عام 2008 بليغة حيت كانت الأزمتان بحجم مماثل إلى حد ما وكان تدخل الدولة في كلتا الحالتين كبيرًا وحاسمًا ، باستثناء أن هذا التدخل واكبه تغير تدريجي وجذري في تصور دور الدولة بعد أزمة الكساد الكبير 1929 (الثورة الفكرية الكينزية التي تعتبر الدولة فاعلًا حرًا في تحركاته) ؛ في حين أنه بعد الركود العظيم 2008 ، كانت الدولة مقيدة بشكل كبير من قبل الأيديولوجية السائدة والثقة العمياء في قدرة السوق على التعافي بنفسه، والتي يعود أصلها النظري إلى أعمال V. Pareto (1848 – 1923 ) المعروفة باسم نظرية الرفاهية. منذ ذلك الحين، تم الاعتراف بأن سياسة عدم التدخل تؤدي الى قدرة السوق على تقديم الخدمات الاجتماعية المناسبة والضرورية، ولكن على حساب سلسلة من الفرضيات والاجراءات التكبيلية .

وللتذكير، فهذه هي الطريقة التي أعقبت أزمة الثلاثينيات، بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تبعتها فترة طويلة من النمو المرتفع والسيطرة على اللامساواة بفضل تنزيل أنظمة الحماية الاجتماعية، بينما تجاوزت أزمة عام 2008 بسرعة بسبب أزمات ارتفاع الدين العمومي والأزمات الاجتماعية والسياسية.

ربما تكون هذه فرصة للقول أن أولئك الذين وصفوا تدخلات الحكومة المغربية على أنها كينزية لم يفهموا الدور الذي ينسبه      Keynes J. M.  (1883-1946) للدولة. فحسب كينز، تدخل الدولة هو جزء من الفعل، وليس رد فعل. حيث يستبق دورات النمو ويحارب الريع إلى حد الدعوة إلى “الموت الرحيم” لأصحابه. متخليا بذلك عن الفرضيات النيو كلاسيكية للفردية المنهجية وعقلانية الأشخاص، مؤسسا للتدخل دون ارتباط بالسوق.

وبما أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المغربية كانت تهدف إلى ملء الفراغ الذي تركته السوق في انتظار عودتها بمجرد انتهاء الأزمة: فلا بد من مسائلة ونقد استراتيجية الخوصصة، ومساعدة الشركات دون شروط مسبقة. وعدم مواجهة الخروقات التي تعرض لها قانون الشغل بجلاء وأمام الجميع دون ابداء أي تحرك أو رغبة في إصلاح مهمة مفتشية الشغل لمواجهة هاته الخروقات، كما لم يتم التطرق بأي شكل من الأشكال لضرورة تشجيع المبادرات والقرارات التي تخص الجانب الاجتماعي للشركات، كما أن منطق الاحسان طغى بشكل صارخ على مبدأ التضامن المؤسساتي، ولا يزال فرض الضريبة على الثروة من المحرمات خوفا من خطر كبحه لنظام السوق، واعاقة الابتكار والضرر الذي قد يؤثر على طريقة اشتغال السوق بعد التعافي. ولكن للأسف، لا يمكن أن تتواجد هكذا مثالية في السوق إلا في حالات جد نادرة، حيث السائد هو التلاعب بالسوق والاستفادة من الريع وتوسيع الفوارق في الدخل.

  • ·       الأزمة الصحية الدولة الاجتماعية والسياسات الاقتصادية في المغرب

اتسمت إدارة حالة الطوارئ الصحية وتداعياتها الاقتصادية بمرحلتين متناقضتين: المرحلة الأولى، اتسمت باتفاق ضمني غير موثق بين الحكومة وباقي المتدخلين، ينص على الحاجة إلى سياسات اقتصادية توسعية (مالية ونقدية)، حيث لم يتم التحدث عن اعادة جدولة الإنفاق العام الا بشكل جد محتشم تبعه تراجع للحكومة يومين بعد ذلك. في المرحلة الثانية، انتقل الجدل إلى نقاش حول نسبة عجز الموازنة بالنسبة الى الناتج المحلي الخام PIB ومقدار السيولة التي يمكن للبنك المركزي ضخها من خلال قنواته الرسمية مع ضمان قدرته على استيعابها.

من جهة أخرى، تم الإعلان وبكل بساطة عن دعم غير محدود للاقتصاد، بما يتماشى مع طبيعة الصدمة ومداها.

بالمقابل، لو كان بالإمكان تصور المسار الذي تقدمه الدولة الاجتماعية، فإن الجدل حول طبيعة تدخل الدولة في مواجهة الأزمة الصحية سيكون مختلفا. عاجلاً أم آجلاً، يجب على الدولة أن تواجه قراراً بفك الحجر الصحي لأن التكلفة الاقتصادية له (تكلفة الوقف الجزئي للنشاط بالإضافة إلى تكلفة تدابير الدعم) تزداد بمرور الوقت، في حين أن التكلفة الصحية (تلك المتعلقة بالوفيات والمرض والوقاية والتحمل الزائد للخدمات الصحية) ستنخفض تدريجياً بمجرد انتهاء ذروة الوباء. في ذلك الوقت، لن يعد الحجر الصحي مدعوما، وسيكون استمراره سببا مباشرا لأزمة اقتصادية واجتماعية عامة، والتي لن تساعد بأي حال في حل المشكلة الأولى للصحة العامة.

يبدو للوهلة الأولى أن المقاربة المرتبطة ب التكلفة/الفائدة ترتكز على منطق سليم، لكن هذا المنطق يضعف من خلال رسم منحنى التكلفة الصحية للأزمة، الأمر الذي يتطلب مجموعة دقيقة من الفرضيات اللازمة للتقييم المالي للحياة البشرية. هذا التقدير ينطوي على عدة مخاطر من شأنها جر التحليل إلى مجال أخلاقي حيث توضع معايير أخرى للحكم، بالإضافة إلى ان الجانب المالي سيكون على المحك. وقد أظهرت العديد من الأمثلة الحقيقية أن قيمة الحياة البشرية لا يمكن أن تختصر في منطق قيمة/المنفعة لتعارضها مع جوانب أخرى أخلاقية وسياسية (مثال: حالة خزانات فورد بينتو)

لذلك، فبدلاً من المقامرة في تقدير تكاليف الخسائر البشرية والاكتفاء بالتقويم العقلاني، سيكون من الأفضل للحكومة، وبروح الدولة الاجتماعية، أن تسعى إلى الحد قدر الإمكان من الأثر الاقتصادي للحجر الصحي على الشركات والأسر، من خلال التحضير بعناية شديدة لجميع الشروط لإزالة هذا الحجر. وبشكل عملي، يُترجم هذا الأمر إلى سياسات اقتصادية لدعم الاقتصاد بدون حدود أو خلفيات أيديولوجية، بحيث يبقى منحنى التكلفة الاقتصادية للحجر الصحي أقل من التكلفة الصحية، ويكون إنهاء الحجر مبرمجا ومحضر له بشكل جيد بدل انتظار مخرجاته.

وبالتالي، فإن السياسات الاقتصادية الغير المشروطة من شأنها أن تبعد الدولة عن مواجهة التاريخ المصيري والذي سيضعها امام خياران وحيدان أحلاهما أمر من الأخر: الاول يتمثل في الإبقاء على الحجر الصحي مع خطر أزمة اقتصادية مدمرة وموجعة، والثاني هو رفع الحجر ومواجهة أزمة صحية أكبر. في مثل هاته الظروف، تصبح شروط النقاش الموضوعي كما لو أن الوضع طبيعي غير مجدية. لأن ما يجب اعتماده في مثل هاته الحالات هو التوافق الوطني، المدعم حاليًا بتوافق وإجماع دولي، ينبني حول مبادئ معينة مثل:

الدولة هي الحامية، وهي المنتجة والمشغلة، وهي المقرضة كذلك. تُترجم هاته الاقتراحات إلى سياسات اقتصادية واقعية ومبسطة، حيث ستتعارض مع المنطق من حيث التوقعات العقلانية ونظرية الخيارات العامة التي تبرر عدم فعالية السياسات التقديرية.

 مبدأ أن الدولة هي الحامية في النهاية، ظهر جليا أتناء انتشار الوباء، ما يضعنا أمام ضرورة إعادة النظر في تقييم القطاع الصحي في المغرب في السنوات الأخيرة. بعد أن دفعت الإيديولوجية النيو ليبرالية المغرب إلى تقليص خدمات القطاع العام، والنتيجة أصبحت واضحة أمام الجميع.

في الواقع، استمر التراجع عن الإنفاق الصحي في المغرب منذ سنة 2010: حيث تمت مضاعفة الإنفاق بمعامل 3.5 منذ سنة 1995، وذلك بفضل متوسط معدل النمو السنوي البالغ 8٪ بين 1995 و2010، تراجع معدل النمو الى 4.4 ٪ فقط في السنوات التي تلت ذلك.  والسؤال المطروح هو أي قانون وأي قرار ذاك الذي صدر بمنع نمو القطاع الصحي بنفس وتيرة نمو الاقتصاد الوطني؟ حيث جاء الوباء ليظهر للجميع خطأ بل سخافة هكذا قرار، فتبين أن الصحة العامة تمثل مصدراً أساسيا لرفع الإنتاجية، وبالتالي للنمو في المستقبل، خاصة في البلدان النامية حيث يكون هامش تحسين الوضع الصحي للسكان كبير وبتكاليف أقل.

 

مؤخرا، عانى قطاع الصحة المغربي بشكل كبير من هاته القرارات والمنطق القصير النظر. حيث أن حصة الإنفاق العام من إجمالي الإنفاق الصحي منخفضة ولا تتجاوز الثلث. وتتحمل الأسر الباقي إما عند “الاستهلاك” للخدمات الصحية أو من خلال التأمين الصحي. كذلك، شهدت هذه الحصة متوسط انخفاض سنوي قدره 0.45 نقطة منذ عام 2010 ، وهو ما يفسر 25٪ من الانخفاض في إجمالي الإنفاق الصحي (تمسماني ، 2017)

  • ·       أزمة النموذج الاقتصادي المغربي والدولة الاجتماعية وإذا كان السيد كاليكي هو المنقذ!

خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، اختار المغرب استراتيجية الانفتاح التجاري والمالي لاقتصاده، والتي تم نشرها من خلال التوقيع على عشرات اتفاقيات التجارة الحرة، وإطلاق مجموعة من الحوافز الاقتصادية والضريبية والتنظيمية للمستثمرين الأجانب. وقد واكبت سياسة النمو الموجهة نحو الخارج، استراتيجية وطنية للمشاريع الكبرى المهيكلة، والتي كان هدفها تشجيع وتحسين مناخ الاستثمار في البلاد وزيادة العائد وأرباح رأس المال الخاص. عرفت هاته الفترة أيضا خيارا استراتيجيا ثالثا وهو التخلي عن الاستراتيجية المهيكلة كاستراتيجية وطنية وتنزيلها على مستوى استراتيجيات قطاعية.

 ولقد أظهرت هذه الخيارات بعد بضع سنوات محدوديتها.  وذلك عبر تراجع معدل النمو منذ سنة 2010، حيث أظهر تكرار الحركات الاحتجاجية الاجتماعية منذ سنة 2011، فشل هاته الاستراتيجية من الناحية الاجتماعية. والتي تم قياسها عبر استخدام مؤشر جيني المحسوب على أساس إنفاق الاستهلاك، حيث ظل التفاوت على مستوى الدخل (احصائيا ومكر واقتصاديا) تابتا في الزمن وبمستويات عالية. في النهاية أصبح من المؤكد أن النموذج التنموي الحالي استنفد كل امكاناته، وباعتراف أعلى سلطة في البلاد.

للخروج من هذا المأزق وبناء القدرة على الاستمرار في مسار النمو، سيكون لزاما تغيير الطريقة والنموذج الحالي. في هذا الصدد يبدو أن المخطط النظري الذي اقترحه السيد كاليكي (1899 -1970) هو الأنسب لتحليل مثبطات النمو في المغرب وشروط إنعاش اقتصاده. بدءاً من الفرضيات الأساسية البسيطة والبديهية حول سلوك الأشخاص والمتدخلين، ليصل إلى استنتاجات تفسيرية حول دينامية الاقتصاد والدورة المتوافقة مع ما يمكن ملاحظته داخل الاقتصاد الوطني.

يُظهر لنا مخطط كاليكي (1971) ما يلي، أولاً، طريقة توزيع القيمة المضافة هي المحددة لسرعة خلق الثروة داخل الاقتصاد، كما تحدد توازن احتياطي رأس المال. باعتبارها في وضع قوة داخل السوق، تفرض الشركات معدلات عالية عالية على حساب الأجور و / أو القوة الشرائية للأسر، الشيء الذي يحد من الطلب وبالتالي يبطئ النمو وعملية تراكم رأس المال.

ثانيًا، يحظى الاستثمار بمكان محوري في مخطط M. Kalecki (1968) التفسيري للدينامية الاقتصادية، ليس فقط كعنصر من عناصر الطلب، ولكن أيضًا لأنه يزيد من القدرات الإنتاجية. ولكن السيد كاليكي، يشير أيضا الى أن الاستثمار يمكن أن يكون مصدرًا للأزمة في حالة لم يحدد الاستثمار الإضافي بشكل جيد، مما يجعله غير متوازن مع مستوى الطلب (أو النمو). تعاني البلدان النامية ومن بينها المغرب من هذه المشاكل الثلاثة: الطلب الغير الكافي والقدرة الإنتاجية المحدودة وعدم الحاجة للاستثمار (أو الركود).

 ثالثًا، في النماذج المستوحاة من كاليكيان يكون الانشاء المالي من خلال الرفع من حجم القروض غير محايد حيت يمكن من التحكم في حالة الاقتصاد الحقيقية. ليصبح دور القطاع المصرفي للاقتصاد كدور القلب للجسم، وبذلك يصبح الاستثمار غير مرتبط بقدرة الادخار المتاحة ولكن بسلوك البنوك والقطاع المصرفي.

هذه العناصر الثلاثة لا تمثل فقط مثبطات/محفزات لنمو الاقتصاد المغربي، ولكنها أيضًا تمثل اليات يمكن من خلالها للحكومة التحكم في مستوى الانتاج لإيصاله للمستويات المطلوبة. إن العمل على هذه المكونات الثلاثة لا يمكن أن يتم الا في إطار دولة اجتماعية، قادرة على زيادة نسبة الأجور في توزيع القيمة المضافة، والحد من اللامساواة تقليص هوة الدخل، والتخطيط (بشكل شامل) للاستثمارات العامة، وإنشاء بنك استثماري عمومي، وإجبار القطاع المصرفي على الخضوع للمبدأ الأولي للتمويل الذي يربط الأرباح بالمخاطرة (وليس بالريع)، وباختصار، لإنشاء اقتصاد متنوع تضامني ومتين.

يعتبر كينز (1936) أن مهمة الدولة تنتهي بمجرد “قدرتها على تحديد الحجم الإجمالي للموارد المخصصة لزيادة وسائل الإنتاج، والنسبة الأساسية المخصصة للأجور” كما لا يحق لها ” التدخل في الحياة الاقتصادية للمجتمع. حيث لا مصلحة لها في تولي ملكية وسائل الإنتاج.” لهذا، يجب عليها السعي من أجل “تشجيع ونشر امكانية الاستثمار للجميع … وبذلك تضمن فرص العمل لمعظم الأفراد … طبعا دون استبعاد التسهيلات وجميع أنواع الدعم المقدمة للتعاون مع مبادرة القطاعات الخاصة “.

 وفي الختام، فإن الدولة الاجتماعية ليست هبة ربانية تنحدر من السماء، وليست أمرا ينبثق من الفراغ. ليست أبدية ولا مستقلة. فهي بناء اجتماعي ينبني على خيارات الاجتماعية، تتجلى في قرارات سياسية، ومثل أي بناء اجتماعي، فإنه يحدث بمرور الوقت وبالتزام ومشاركة الأشخاص المعنيين. كما أنها ليست بطاقة مصرفية بدون رمز متاحة حصريًا لأولئك الذين يعرفون كيفية استخدامها، ولكنها نتيجة جهد جماعي، نظمه السياسي، ليستفيد منه كل فئات الشعب. وبهذا المعنى، فإن منطق المعاملة بالمثل بين الدولة والمواطن (الحقوق والواجبات) وبين الدولة والسوق أمر أساسي في أي مشروع لبناء دولة اجتماعية.

البناء الاجتماعي، الدولة الاجتماعية ليست حلا سحريا، يمكن أن تعاني من نقائص مثل البيروقراطية، عدم الكفاءة، الفساد، التواطؤ. لكن التعرف على هذه الاختلالات من أجل تصحيحها شيء، وأخذها كذريعة للخوصصة والتحرير والمرونة بأي ثمن، دون حجج قوية أو دراسات قاطعة، وبدون أي نتيجة أخرى سوى زيادة اللامساواة حتى يتم ايقاف النموذج التنموي والاقتصادي شيء اخر.

  • ·       المراجع

– كاليكي، م. (1968). إعادة النظر في دورات الاتجاه والأعمال. المجلة الاقتصادية، 78 (310).

– كاليكي، م. (1971). مقالات مختارة عن ديناميات الاقتصاد الرأسمالي، 1933-1970. كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج.

– كينز، ج. م. (1936). النظرية العامة للتوظيف والفائدة والمال. الفصل الرابع والعشرون – ملاحظات أخيرة حول الفلسفة الاجتماعية التي يمكن أن تقود إليها النظرية العامة. باريس: Éditions Payot 1942.

– راماو، سي (2012). الدولة الاجتماعية، للخروج من الفوضى النيو ليبرالية. باريس: الفيارد / ألف ليلة وليلة، مجموعة. “مقالات”.

– تمسماني، ي. (2017). تطور الإنفاق الصحي في المغرب: تحليل المحددات الديموغرافية والاقتصادية الكلية. ورقة MPRA (83996).