cnimaroc

ماكري يكتب: التاريخ … يخيف البعض .

4 يونيو 2020 - 8:09 م أخبار و أنشطة , في الواجهة , مقالات الرأي

بقلم: محمد ماكري*

على هامش وفاة احد أهم الفاعلين في التاريخ المغربي المعاصر سي عبدالرحمان اليوسفي ، تجند البعض ممن لا تاريخ لهم إما عن جهل أو عن حقد مرضي في محاولة يائسة لتبخيس حدث الوفاة ،وذلك ليس للتخفيف من هذا المصاب الجلل ولكن للتقليل من أهمية رجل عظيم وهب حياته في سبيل خدمة وطنه ومواطنيه . وقد وصل هذا الحقد بالبعض إلى حد تدنيس تذكار الشارع الذي يحمل اسمه بمدينة طنجة .
إن هذا الحيز الذي اكتب فيه لا يسعفني في سرد تاريخ رجل خبر الاعتقال والنفي وممارسة السياسة بأخلاق عالية ،كما امتهن التعليم والمحاماة والعمل الصحافي ،ويعتبر من أهم ركائز وأعمدة وأساتذة الحركة الاتحادية التي انبثقت عن التيار الجدري داخل حزب الاستقلال بقيادة المهدي بنبركة ،عبد الرحيم بوعبيد ومعهم في ذلك الوقت عبدالله إبراهيم .. تم الفقيه البصري وعبدالرحمان اليوسفي كممثلين للمقاومة وجيش التحرير إضافة إلى القادة النقابيين .و الذين انفصلوا عن التيار المحافظ ليشكلوا “الجامعات المستقلة لحزب الاستقلال “( 25 يناير1959 )أولا ثم “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ” (06 سبتمبر1959 ). فالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (12 يناير 1975 ). تم أحزاب يسارية أخرى انبثقت عن هذه الحركة بدءا بحزب الطليعة بعد الخروج الاضطراري لرفاق الشهداء سنة 1983 ولم تنتهي مع الأسف الشديد هذه الحركية الانشقاقية حتى يومنا هذا لأسباب ذاتية او موضوعية . إن ما علق بأذهان البعض هو تحمل سي عبد الرحمان لمسؤولية الوزارة الأولى في حكومة “التناوب التوافقي ” سنة 1998 وهو يعي قولة الفيلسوف اليوناني ” انك لا تستطيع أن تستحم في النهر مرتين فمياهه تجري باستمرار ” وهو القائل اقصد سي عبدالرحمان قبل تعيينه وزيرا أولا بشهور ” إن المغرب عبارة عن قاعة انتظار كبيرة ،على المرء أن ينتظر طويلا قبل الدخول إلى مستقبله ” وكما قال المفكر عابد الجابري ” ان جميع من لهم صلة باليوسفي يعرفون انه يتنفس برئة واحدة وبالتالي لا يستطيع المكوث في حمام موبوء ، خصوصا إذا تبين له أن هناك من يلقي فيه بالقمامة عمدا ولهدف في نفس يعقوب … وأوضح أن فشل اليوسفي سيكون ليس فشلا لشخص بل إخفاقا نهائيا لتجربة -التناوب – التي تعني التحول السلمي إلى الديمقراطية ” . وأضاف الجابري ان “تجربة التناوب “التي عاشها المغرب مع عبدالرحمان اليوسفي هي مجرد عود على بدء .. فمند 1958 مع حكومة عبدالله ابراهيم الى حكومة اليوسفي 1998 لم تكن تلك الفترة كلها انتظارا ل النوبة ” اي للدور بل شهدت أحداثا وتطورات ، أسفرت عن نتائج هي التي جعلت “التناوب ” يعود من جديد ؟ و لربما في أفق جديد! ولقد كان اكبر عائق للانتقال الديمقراطي ببلادنا هو ما اسماه عابد الجابري ب”القوة الثالثة ” والتي تشكلت من اولئك الذين لم يكونوا لا من رجال المقاومة ولا من اعوان السلطة الفرنسية وعملائها المباشرين والذين بقوا مخلصين للعرش ظاهريا على الاقل فهذه “القوة الثالثة” التي شكلها الفرنسيون سنة 1950 كطرف مناهض للجالس على العرش وللحركة الوطنية، والتي أعادوا تشكيلها سنة 1955 حين اضطروا للتفاوض ليجعلوا منها درعا واقيا يفاوضون من خلاله الحركة الوطنية، هي نفسها التي أعيد تشكيلها سنة 1958 للحيلولة دون استمرار ذلك الحلف الوطني بين العرش والحركة الوطنية في التحامه ونضاله الموحد لتحقيق الأهداف الوطنية .
فلقد اعادت الاجهزة الاستعمارية في المغرب تشكيلها في السنة الثانية من الاستقلال وحركتهم في الخفاء والعلن للاحتجاج على ما ادعوه من “استبداد ” حزب الاستقلال بالسلطة وقد تطور الامر الى حد اصطناع تمرد مسلح (تمرد عدي وبيهي ) وهذا نفسه ما ورد في انتقاد سي عبدالرحمان لتجربة التناوب سنة 2003 ببروكسيل . فالخوف من انتقال حقيقي الى الديمقراطية كان هو الهاجس الذي حرك ويحرك هذه “القوة الثالثة “. وهذا ما أكد عليه المهدي بنبركة في محاضرة له مع كوادر الحزب في بالدار البيضاء في إطار توضيح الموقف غداة تقديم الوزراء “الوطنيين” استقالتهم في 15 أبريل 1958، حيث قال المهدي : “ان هذه الأزمة هي أزمة تطور ورغبة في التحرر من الأوضاع الاستعمارية الموروثة” وقد ركز المهدي في محاضرته على تحقيق الأهداف الوطنية من هذا التحالف في الثلاثة التالية:
1) “تحقيق الوحدة المغربية”، وكانت فرنسا وأسبانيا قد اقتطعتا أجزاء واسعة من المغرب التاريخي، جنوب وشرقا، بما في ذلك “موريتانيا” التي كانت تحت حكم الاستعمار الفرنسي، والتي كان المغرب يطالب بها بوصفها امتدادا طبيعيا وتاريخيا له، مثلها مثل ما يسمى اليوم بـ “الصحراء الغربية” التي كانت من نصيب أسبانيا في إطار الترضيات التي سبقت فرض الحماية الفرنسية على المغرب ككل.
2) “تحقيق وحدة المغرب العربي”، ومعلوم أن المناداة بتحقيق وحدة المغرب العربي في ذلك الوقت (1958) والثورة الجزائرية في أوج شبابها معناه انخراط المغرب العربي كله في هذه الثورة ضد فرنسا، وبالتالي القضاء على النفوذ الفرنسي في شمال إفريقيا قضاء ثوريا.
3) والهدف الثالث: “بناء اقتصاد متين وتوسيع نطاق هذا الاقتصاد في الفلاحة والتصنيع وبناء ديموقراطية حقيقية”. وهذا يعني، أولا وقبل كل شيء، وضع حد للهيمنة الاقتصادية الفرنسية التي شملت جميع الميادين، بما في ذلك ميدان الفلاحة: إذ كان معظم الأراضي الخصبة في المغرب ضيعات للمعمرين الفرنسيين.
وإذا نحن أضفنا إلى ذلك “مؤتمر الوحدة” في طنجة ( أبريل 1958)، المؤتمر الذي عقدته الحركات الوطنية في كل من المغرب والجزائر وتونس، والذي كان موضوعه “وحدة المغرب العربي” والوسائل الكفيلة بتحقيقها، وفي مقدمتها المساندة العملية والفعالة للثورة الجزائرية، وأخذنا بعين الاعتبار تأثير المد التحرري الذي كان يجتاح المنطقة العربية كلها، والذي كان من أبرز مظاهره آنذاك قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسورية، أدركنا كيف أن الاستراتيجية الاستعمارية كان لابد أن تركز في المغرب على فصم عرى ذلك الحلف الوطني بين العرش والحركة الوطنية، الحلف الوطني الذي حقق للمغرب استقلاله وجعل منه مركز جذب للتحرر في إفريقيا كلها.
فلقد كان الفقيد عبدالرحمان اليوسفي وهو يعقد اتفاف مع المغفور له الحسن الثاني واعيا بكل هذا التاريخ بل لقد كان جزءا لايتجزأ من كل هذا الارث التاريخي ومع ذلك وانطلاقا من وطنيته الخالصة وخصوصا استحضارا للمرض الذي كان يعاني منه الملك الراحل ، قرر من تلقاء نفسه أن يفي بالقسم الذي حلف به معه على المصحف وشدد على أن لا وجود لتأمين سياسي على هكذا اتفاق بل لم يعرف حتى الآن اي احد فحوى ذلك الاتفاق. سوى ما ورد في وثيقة بروكسيل . فالرجل معروف بعدم الثرثرة و جل مداخلاته تكون مكتوبة وهي صفات يتميز بها العظماء . ولسنا هنا بصدد تقديس له فهو ليس نبيا ، له اخطاءه والتي ذكرنا هنا جزءا منها ولكنه كان صاحب رسالة اخلص لها حتى وافته المنية ،رسالة الوطنيين الديمقراطيين الذين ما بدلوا تبديلا ، له تاريخ حافل كسياسي وكحقوقي ومن الرعيل الأول الذين وهبوا حياتهم في خدمة الوطن والمواطنين والإنسانية جمعاء ،دخل التاريخ من بابه الواسع بخلاف البعض الذين لن يذكرهم التاريخ إلا في مزبلته .

 *فاعل سياسي