cnimaroc

عبد اللطيف قيلش: دروس الانتخابات البلدية الفرنسية ومستقبل اليسار

2 يوليو 2020 - 1:31 ص أخبار و أنشطة , في الواجهة , مقالات الرأي
5d46d878d43750492a8b4615

بقلم: عبد اللطيف قيلش*

رغم أن الانتخابات البلدية في التجارب التاريخية لا تعكس الابعاد السياسية، لكنها تشكل أحد مؤشرات الانتخابات التشريعية ومنطلقاتها. ومن تم يصعب حصول تقدم في الانتخابات التشريعية ذات الدلالة السياسية بدون التوفر على قاعدة انتخابية في المجالس البلدية. لاشك أن الانتخابات البلدية في فرنسا المنظمة يوم الأحد 28 أكتوبر 2020 في الدور الثاني جاءت في سياق استثنائي المتمثل في الآثار القوية التي أحدثتها جائحة كورونا في العالم، وما ترتب عنها من أزمة عميقة مست كل القطاعات وكل مناحي الحياة، وكذا الخسائر البشرية، اذ وصل عدد الوفيات في فرنسا ما يقرب 30000. سيكون من السابق لأوانه قراءة محطة هذه الانتخابات كنتيجة من النتائج الأولية للجائحة، دون استبعاد هذا العنصر كليا في التحليل.

 1– العزوف الانتخابي: حيث تميزت هذه الانتخابات بأضعف نسبة على مستوى العزوف في تاريخ الانتخابات الفرنسية منذ سنة 1958 حيث وصلت الى 58،4% بناء على النتائج النهائية المعلن عنها من طرف وزارة الداخلية يوم الاثنين 29 أكتوبر 2020. بالعودة إلى المحطات الانتخابية البلدية يتبين أن هذه النسبة بدأت في الصعود منذ سنة 1989: 1965: 29،2% – 1971:26،4- 1977:22،4 – 1983:20،3- 1989:26،9-1995:30-2001:30،5- 2008:34،8- 2014:37،8- 2020:58،4. لكن تبقى هذه المحطة صادمة للنخب السياسية تم التعبير عنها في جل التصريحات، وإن كان زعيم (فرنسا الأبية ميلانشو) اعتبر ما وقع إضراب مدنيune grève civique . لقد وصلت نسبة العزوف مثلا إلى 77،2% ب(Roubaix-nord)  و77،33%ب ( val-de-Marne) . كما أن 48 عمدة maires في المدن والمقاطعات التي يتجاوز عدد سكانها 100000لم يفوزوا إلا بنسبة 17،9%من المسجلين ، في الوقت الذي كانت هذه النسبة 27،4% سنة 2014، والفائزون الجدد في مدن(Amiens-Mulhouse-Lille-Nîmes)  حصلوا على أقل من 15% من المسجلين. انتقلت نسبة المشاركة من 79،7% من المسجلين في الدور الثاني في الانتخابات البلدية لسنة 1983، الى نسبة 62،1% سنة 2014، الى نسبة 41،6% سنة 2020، فأغلبية المنتخبين كعمدة في أكبر المدن فازوا بأقل من نسبة 20% من المسجلين. إن ضعف هذه النسبة أدى ببعض المحللين إلى طرح سؤال المشروعية la légitimité بالنسبة لهذه الانتخابات، وإن كان الأمر لا يطرح من الناحية القانونية على اعتبار أن المشرع لم يضع سقفا للحد الأدنى للأصوات الواجب الحصول عليها ، باستثناء الجماعات التي يوجد بها أقل من 1000من السكان، يشترط لحصول مرشح على الأغلبية المطلقة، وجب الحصول على الأقل على 25% من نسبة المسجلين لينتخب كعمدة في الدور الأول. إن الدلالة السياسية لهذه النسبة المرتفعة للعزوف الانتخابي تدل على منحى مغادرة صناديق الاقتراع والترحال من السياسة ومن الأحزاب السياسية التي فقدت جاذبيتها  le dégagisme politique et dégagisme des partis politiques ,  وتدل ايضا على أزمة الديموقراطية التمثيلية التي وصلت إلى المأزق، وأضحى المواطن رافضا للمؤسسات بكل اصنافها ، وهي الظاهرة المصطلح عليها  Anti-systèmes

 2– صعود الموجة الخضراء: تميزت هذه الانتخابات البلدية بصعود ملفت لـEELV:Europe Ecologie-les verts ,  فمدينة Lyon تحقق فيها انتصار كاسح، إذ من 9 مقاطعات تم الحصول على سبعة، ما يترجم 51 مقعدا من 73. فهناك اكتساح لأهم المدن من طرف الخضر والتحالف الايكولوجي اليساري والتحالف الايكولوجي الاشتراكي -:Grenoble-Marseille-Strasbourg-Lyon-Bordeaux  هذه الاخيرة التي كانت تاريخيا تحت سيطرة اليمين منذ سنة 1947، بالإضافة إلى مدن  :Poitiers-Tours-Annecy-Besançon-وLilleالتي فازت فيها مرشحة الحزب الاشتراكيAubry . تظهر نتائج هذا الفوز إخفاق حزب الرئيس الفرنسي Republique en marche ,  وهو إخفاق حكومي (باستثناء فوز رئيس الحكومة Edouard Philippe بمدينة Le Havre).  يدل هذا على معاقبة السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتي مثلت موضوعا لاحتجاجات السترات الصفراء، بالإضافة إلى ما كشفته جائحة كورونا من هشاشة للنظام الصحي وعجز فرنسا على مواجهتها. كما تظهر هذه النتائج أن القضية الإيكولوجية باتت قضية مركزية وانشغالا رئيسيا في المدن الكبرى، على عكس المدن الصغرى، المرتبطة بقيم محافظة وقضايا الأمن والخوف من الهجرة. كما تظهر النتائج أن المرشحين الخضر ليسوا من الوجوه المألوفة في المشهد السياسي، لم يسبق لهم ان سيروا أية بلدية باستثناء Grenoble التي تضم أكثر من 100000 من السكان والتي تم الفوز فيها في سنة 2014، وهم من الناشطين في الإطارات الجمعوية ما يدل على العمل بالقرب؛ وهي من الشروط التي عادة ما ينبغي أن تتوفر في مرشحي الانتخابات البلدية. كما ان سنهم يتراوح بين 30سنة و65سنة. تظهر النتائج أن الحزب الاشتراكي الفرنسي تمكن من الحفاظ على حضوره بعاصمة فرنسا باريز، وان التحالف الذي حصل بين الخضر واليسار هو الذي منح هذه القوة الانتخابية بغض النظر عن نسبة المشاركة الضعيفة، وأن إمكانية خلق قطب اجتماعي – إيكولوجي لتقديم عرض سياسي جديد يقنع الناخب بالعودة الى السياسة وصناديق الاقتراع قد يفتح الباب لأفق يسار متعدد.

3 – اليسار وتحديات المستقبل: يبدو أن الديموقراطية التمثيلية تشكو من أزمة، تتجلى مظاهرها في تنامي نسبة العزوف الانتخابي وفقدان السياسة لجاذبيتها ورفض المؤسسات بما فيها المؤسسات الحزبية، رغم حاجة العالم وحاجة البشرية الى اليسار المنحاز تاريخيا الى الديموقراطية والحقوق والحريات والعدالة  الاجتماعية. إن اليسار مطالب بأن يقرأ السياق والمتغيرات قراءة نقدية، مبدعة، مجددة لإعادة بناء الذات بروح وحدوية، وبروح قادرة على استدماج الانشغالات الأساسية للمواطن. إعادة بناء الذات والبحث عن الاجوبة في زمن اللايقين وزمن اللامتوقع، وترتيب الأولويات وتجديد الخطاب وتطوير أدوات التواصل في زمن بات رقميا بامتياز، وتفادي السقوط في الخطاب الشعبوي الذي قد يوحي بالجدوى ولكنها ظرفية وعابرة وهدامة على المستوى الاستراتيجي. اليسار مطالب بأن يعي ببروز فاعلين متعددين، سواء ما يتعلق بالحركات الاجتماعية ذات الحضور الملفت أمام تراجع الحركة النقابية، أو ما يتعلق بشبكات التواصل الاجتماعي كفاعل جديد له تأثيره في مجريات الأحداث. إن الديموقراطية لا تتأسس بدون تنظيمات مجتمعية وفي مقدمتها الاحزاب والنقابات، ولكن لا يبدو ان الانماط التقليدية تؤهلها لاستعادة مكانتها الطبيعية، كما أن الديموقراطية لا تتأسس بدون انتخابات، لكن الناخب يشعر ان الهوة تتسع بين صناديق الاقتراع والقرار السياسي والقرار الاقتصادي. لذلك على اليسار ألا يظل جامدا إلى حد السقوط في الهوس الانتخابي أو بالأحرى الانتخابوي. إن إعادة الاعتبار للسياسة وللعمل الحزبي والعمل النقابي وللعملية الانتخابية التي لا يمكن فصلها عن العملية السياسية ككل، والتي تختلف من البنية الديموقراطية إلى البنية الاستبدادية. كل ذلك يحتاج إلى هدم المسلمات، ووضع أسس المقدمات. إن الديموقراطية ليست آليات، هي فكرة وفلسفة ومنظومة متجددة تضم الثابت والمتحول، والديموقراطية التشاركية تفرض نفسها في إطار هذا الأفق المفتوح. يعتبر الكاتب وأستاذ العلوم السياسية Dominique Rousseau بباريز في كتابه Radicaliser la démocratie:propositions  pour une refondation,  أن الفرد متعدد، فهو في الواجهة الايكولوجية، والواجهة الحقوقية، والواجهة الاجتماعية، والواجهة النسائية… وهي واجهات يومية، أما العملية الانتخابية فهي مرة في ست سنوات، ومن ثم لا يمكن التعاطي باختزال مع الديموقراطية. ما العمل لإعادة البناء وتقديم عرض سياسي جديد مقنع ومؤثر؟ وحدة اليسار منطلق هذه الدينامية.

*فاعل سياسي ونقابي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *