cnimaroc

صرخة السوسيولوجي المرحوم “محمد جسوس” التي اغضبت “الحسن الثاني”

31 أغسطس 2020 - 2:01 ص أخبار و أنشطة , في الواجهة , حزبنا , محطات تاريخية

«إنهم يريدون خلق أجيال جديدة من الضباع»؛ هي صرخة مدوية أطلقها السوسيولوجي، الأستاذ الراحل محمد جسوس في وجه مهندسي السياسة العامة إزاء الشباب، مما أقلق القرار السياسي المركزي المتمثل، آنذاك، في الملك الراحل الحسن الثاني.

وقال الراحل جسوس: «إن مستقبل المعارك التي ننادي بها في هو مستقبل الشباب، و بالتالي مآلها هو ما يملكه هذا الشباب من إمكانات ومؤهلات على ضمان انفتاحه وازدهاره، أكثر ما يمكن، وفي هذه الحالة، يمكن لنا أن نطمئن أنفسنا على مصير معاركنا الكبرى من أجل مجتمع ديموقراطي متحرر، أما إذا حدث عكس ذلك، إذا كان شباب هذا البلد مهمشين، مقموعين، مكبوحين، مكبوتين، مطاردين في مختلف مرافق الحياة، فيمكننا من الآن أن نصلي صلاة الجنازة على هذه البلاد و على مستقبلها».

وأضاف جسوس، في عرضه الذي سرق النوم من العديد من المسؤولين: «إن شباب المغرب بصفة عامة أصبح يعامل من طرف المسؤولين والحاكمين ومن طرف الطبقات السائدة في هذه البلاد، كما لو كان عبئا ثقيلا، عوض أن يشكل رصيدها ورأسمالها الأساسي ،نعلن تذمرنا من معاملة الشباب كما لو كانوا مجموعة من »الفوضويين« ومجموعة من المشاغبين، ومجموعة من »العبثيين« ومجموعة من »العدميين» علما بأن أرقى واسمى ما أنجز في هذه البلاد أنجزه شباب أو ساهم في فكرته الحاسمة شباب و بصفة خاصة، إنه لا خير يرجى من بلاد بأكملها ومن نظام سياسي واقتصادي واجتماعي بأكمله، إذا كان يعتمد على سياسة التجويع والتضييع والتمقليع، إذا كان شباب هذه البلاد يعاني من تخوف مستمر حول عيشه أولا وقبل كل شيء، ويعاني في مستوى ثان من سياسة على صعيد التعليم وعلى صعيد الثقافة وعلى صعيد التأطير الفكري والإيديولوجي، تحاول خلق جيل جديد لم نعرفه في المغرب، جيل «الضبوعة» جيل من البشر ليس له حتى الحد الأدنى من الوعي بحقوقه وبواجباته، ليس له حتى الحد الأدنى من الوعي بما يحدد مصيره ومصير اخواته ومصير اقاربه ومصير جيرانه لا خير يرجى من بلاد تعامل شبابها بمختلف اشكال القمع والإكراهات والتخويف والترهيب….

بينما نحن نعرف- يقول جسوس- أن الأمل ظاهرة بيولوجية قبل أن تكون ظاهرة نفسانية، أو ظاهرة اجتماعية، الأمل ظاهرة بيولوجية، لأنه من 19 أو عشرين سنة تكون أجهزتنا العصبية ومختلف مقومات جسدنا النفسية مازالت تنمو، مازال دماغنا ينمو، مازال كياننا السيكولوجي ينمو، مازالت مؤهلاتنا العاطفية ومؤهلاتنا النفسانية تتطور وتنمو، إذ لا يستكمل تكويننا إلا حوالي 19 أو 20.

وأشار جسوس، في عرضه، إلى «بروز جيل جديد من الشباب يتسم بالاستسلام منذ البداية، جيل ليس له علم حتى بالحد الأدنى، من حقوق وواجبات المواطنة شباب يائس مسبقا وكل ما يطمح إليه في كثير من الأحيان هو الحصول على جواز السفر والهروب من الساحة، والهروب كذلك نحو الغربة والبحث عن لقمة عيش».

ولم يفت جسوس الحديث عن الوضع المقلق لعلاقة الشباب بالسياسة، مما يساهم في «التهميش الذاتي» الذي تمارسه بعض فئات الشباب على نفسها ونحن نقول- يتابع جسوس- «إنه لا يعقل أن نتعامل مع شباب هذا هو سلوكه من منطق التجهيل ومن منطق التعجب، إذا كان جزء من شباب المغرب اليوم يتأثر بجو اليأس والاستسلام وبالهروب من الاهتمام بقضايا البلاد الكبرى، فلأن الأوضاع جعلته كذلك ودفعت به الى هذا المستوى من اليأس والاستسلام».

وأرجع جسوس اشتداد الأزمة إلى غياب الجامعة المغربية من أي رهان جدير بتأسيس الدولة الوطنية وقال إن مكانة الجماعة تأتي «من كون ما حدث من ثورات في المجتمعات الصناعية هو تطور لم نعرف منه نحن شيئا، فالمجتمعات الصناعية المتطورة لكي تصبح كذلك مرت عبر أربع ثورات أساسية: ثورة سياسية ديمقراطية، وثورة تكنولوجية صناعية، وثورة اجتماعية قضت على بقايا الاقطاع والنظم القبلية ونظام الكنيسة، ومختلف اشكال التخلف، وثورة كذلك ثقافية وفكرية وايديولوجية، رسخت في هذه المجتمعات أفكار العقلانية والتقدم والحتمية والمادية والإيمان بالمستقبل (…) هذه الثورات الأربع حدثت في المجتمعات الصناعية عن طريق طبقة أساسية هي الطبقة البورجوازية، في ظروف كانت فيها الطبقة البورجوازية تمثل طليعة الثورة داخل هذه المجتمعات، قبل أن تتحول إلى طبقة لها امتيازات ولها مكانة تريد الحفاظ عليها، وبالتالي بدأت تنتقل من منطق ثوري الي منطق المحافظة والرجعية (…) فليس من الصدفة أن تاريخ الثورة الصناعية يقترن بتاريخ الجامعة، وأن تاريخ الثورة الصناعية هو الذي أدى إلى كل القوانين التي تسن إجبارية التعليم، هو الذي أدى الى جعل ضرورة توفر الجميع على حد أدنى من التمدرس قانونا تسنه الشعوب المتحضرة وتفرضه عل نفسها وعلى كافة الطبقات المتواجدة داخلها. وليس من الصدف أن بروز وانفتاح الجامعة ودورها قام بصفة عضوية ببروز الثورة العلمية والتكنولوجية»….وشخص جسوس الإشكال الذي تعاني منه بلادنا في أنه ……. وقع استيلاء على السلطة السياسية وتقديمها لمن لا يستحقها ولا يتوفر على الشرعية الضرورية لذلك وبالتالي وقع اجهاض الثورة العامة التي كان المهدي بنبركة يحلم بها، عندما كان يتحدث عن المجتمع المغربي الجديد. وقع إجهاض تلك الثورة العامة وبصفة مباشرة وقع كذلك إجهاض امكانيات بروز دولة وطنية حديثة عصرية تستعمل أساليب العلم والتكنولجيا والتنظيم الجديد، وتكون في خدمة الشعب وليس الشعب في خدمة الدولة».

ووجه جسوس انتقادات لاذعة إلى كل أشكال الإصلاحات الفوقية، لأنها، حسب ما جاء به العرض، «ستبقى فوقية ولن يدافع عنها الشعب، لن يعتبرها مكتسباته، لن يتحمس من أجل تطويرها إلا إذا كانت متوفرة على هذين المبدأين» وقال إن « الجامعة هي مدرسة العرفان والبرهان والبيان، ومن جهة ثانية، مدرسة الديمقراطية والحوار والنقد الذاتي والابتكار والبحث عن الجديد (…) ولهذا، فإننا في الاتحاد الاشتراكي نقول بأن كل ما يعرقل نمو هذه الجامعة نعتبره بصفة مباشرة يهدد المصلحة العليا للبلاد، ويهدم كل آمال الشعب المغربي في التقدم والتطور. وفي هذا الباب، يثير استغرابنا الطريقة التي يتم بها التعامل مع قطاع التعليم العالي ككل، طلبة وأساتذة ومؤسسات نعتقد أننا في الوقت الذي نعرف فيه طريق تنمية محدود، فإننا نلاحظ أن هناك العديد من المؤسسات العليا التي يتم إقفالها والعديد من المؤسسات الجامعية التي لم يتم إقفالها بعد، يتم خنقها لكي يتم إقفالها مادياً في المستقبل أو لكي تقفل نفسها معنوياً، وعملياً بصفة من الصفات».

وخلص جسوس إلى أنه «ما كان لمثل هذا أن يحدث، وما كان للدور المتعاظم الذي يلعبه رجال السلطة من رجال الأمن والدرك والعمال في تسيير الكليات أن يتعاظم لو أن تلك المؤسسات كانت تتوفر على وسائل ديمقراطية تمثيلية، ولو كانت تتوفر على وسائل دعم داخلية وعلى مشروعية اتجاه الأساتذة».

لقد أثار عرض محمد جسوس، في حينه، نقاشا مستفيضا بين الأوساط الثقافية والسياسية والجامعية غير أن أيامنا الحالية كشفت أن ناقوس الخطر الذي دقه بعنف وقوة لم يكن وهما ضج في خيال الرجل، بل كان توصيفا دقيقا لنظام تعليمي يصنع أجيالا من اليائسين ،لقد ثبت بالملموس أن الدولة كانت أخذة في إقامة صلاة الجنازة على مستقبل البلاد، ما دامت كانت تسخر كل إمكاناتها من أجل الحصول على شباب مهمش مقموع، مكبوحين، مكبوت، مطارد في مختلف مرافق الحياة».

cnimaroc / متابعة