cnimaroc

الصحراء والإخوة الأعداء.. المؤامرة وتاريخ الانتماء

18 نوفمبر 2020 - 5:28 م أخبار و أنشطة , في الواجهة , مقالات الرأي

بقلم: محمد الطنطاوي*

يتصدر نقاش الصحراء المشهد المغربي والمغاربي في كل سنة، حاملا معه ضغائن قديمة وتحليلات جديدة للوضع في الجنوب المغربي، عرف هذا النقاش حدة في السنوات الأخيرة التي باتت فيها المعلومة تحت تصرف الجميع صناعة ونشرا، ويصعب على المتتبع الخروج بخلاصة أو موقف موضوعي حول الوضع المشحون بحماسة الانتماء للأرض والتاريخ والهوية. وأصبحت لغة الحرب سيدة الموقف، فرغم كون أغلبها كلاميا تظل لغة مثيرة للاهتمام، لكن بعد أن نتبين حداثة معجمها، ومرجعية أصحابها، سنفهم أن الأمر قد شابه الكثير من سوء الفهم، وتداخل فيه تاريخ من حسن النية والمؤامرة، والوطنية الحقة والمقامرة، والانتهازية والمساومة.

مسألة الصحراء ليست جديدة، بل هي وليدة الاستعمار الأوروبي القديم والحديث للسواحل المغربية وشرايينه الاقتصادية التي تربطه بدول جنوب الصحراء، وكانت آخر فصوله في القرن 19.

يصعب كثيرا مقاربة استعمار الصحراء باعتباره استعمارا ثقافيا أو مؤسساتيا، كالذي عرفه الشمال المغربي، والسبب هو الدينامية الديموغرافية لقبائل الصحراء وترحالها الدائم بين الشمال والجنوب الذي ارتبطت به، ولقرون، من خلال بيعة سلطانه. هذه الدينامية التي لا ينبغي أن تنحصر في مكون عرقي أو لغوي، فقد كانت هذه البلاد موطن المغاربة الأمازيغ والعرب على السواء، وكانت منبع كل الدول والإمارات الإسلامية التي تعاقبت على حكم المغرب في إطار نظام قائم على البيعة من جهة، والحفاظ على مكانة شيوخ القبائل و”إمغارن” وسلطتهم في تدبير شؤون قبائلهم بعيدا عن استبداد مركزي من جهة أخرى. لذلك لم يكن المغرب يوما إقليما تابعا لدولة معينة، بل كان هو الدولة، ومرجعيتها لا تخرج عن زاوية من الزوايا المرابطة في صحرائه الشرقية أو الغربية.

إن هذا السياق التاريخي الذي يحتاج للمزيد من الحفر الأكاديمي، يفسر إصرار جيش التحرير المغربي على الجهاد واستكمال تحرير الأراضي الصحراوية، هذا الإصرار الذي سينحرف مساره لظروف تاريخية طبعت المرحلة، والتي يمكن تلخيصها في التناقض بين عقيدة الملكية وعقيدة التحرير المتشبعة بالأيديولوجيا الشيوعية حينها، واستغلال المخابرات الاسبانية للوضع لتشتيت جهود الوحدة المغربية التي خرجت للتو من استعمار فرنسي غاشم، بافتعال أزمات في الريف كما تفعل ذلك إلى اليوم، فانقسم جيش التحرير على نفسه إلى شقين، أحدهما اندمج في الجيش الملكي وأخذ يعمل على توحيد العمل تحت قيادة العرش، والآخر استمر في عقيدته الأولى بأيديولوجية جديدة غير الجهاد المرتبط بالبيعة لإمارة المؤمنين، مستفيدا من مناخ المد الثوري العالمي حينها، وبعقيدة عسكرية ترى في الجيران وحلفائهم في كوبا ودول أخرى في أمريكا اللاتينية القدوة والنموذج.

تطرح هذه المرحلة تفاصيل كثيرة متروكة للبحث الأكاديمي الموضوعي في القرائن التاريخية، لكن يهمنا منها دور الحقد الاسباني لجاره الجنوبي الذي لا تزال أذنابه تحرك خيوط الانفصال في شمال المغرب وجنوبه، كما يهمنا منه الإقرار بأخطاء المغرب بكل أطيافه، في تدبير المرحلة داخليا وخارجيا سواء في الوسط أو في الشمال والجنوب، وهي أخطاء طبيعية تغفرها فرص الصلح وأحضان الوطن المفتوحة للجميع.

إن “البوليساريو” اسم ولقب إسباني، وهذا دليل كاف لوحده على دورها فيما يجري من صراع، وهو أحد فصول نظرية “موت العالم العربي” لليهودي البريطاني الأمريكي “برنارد لويس”، والأمثلة على ذلك كثيرة في ملعب العالم الثالث المستعمر أوروبيا، نذكر منها مذبحة رواندا “الهوتو” ضد “التوتسي” بإيعاز من الاستعمار وعملائه، والتي تمكنت من إنجاب صوت العقل والتسامح والاتحاد من رحم التعدد وتصبح الدولة الأولى قاريا وبدون موارد. ولما كان هذا التعدد واقع الصحراء، كان فرصة لن يتركها العدو للنهضة المغربية، هذه الفرصة التي تستدعي وضع السياق العام للصراع في عمومه، ونصاب الجبهة في الأجزاء المشكلة للعمود الفقري للقضية الصحراوية:

أولا: الإخوة المحتجزون وعائلاتهم في مخيمات تنعدم فيها أدنى ضروريات الحياة وأغلبهم غير راض على الاحتجاز الإجباري في الفلاة القاحلة. ليستغل وتحت تهديد أبنائهم وبناتهم لخدمة أجندة الجنرالات، وتجار البشر. وهؤلاء تربطنا معهم علاقة الدم والأخوة الصادقة ولا علاقة لهم بما يسطر ويخطط بأسمائهم في الصالونات والمحافل الأوروبية التي تمول من صفقات الابتزاز للمغرب والجزائر، وكل الدول التي كانت تحت سطوة القارّة العجوز.

ثانيا: الإخوة الأعداء الداخليين (انفصاليو الداخل)، وهؤلاء الأخطر على الأمن القومي الداخلي لما يتوفرون عليه من امتيازات وريع وإكراميات، وهامش الحرية الذي يتوفرون عليه والذي يستغلونه للترويج لأطروحة تفوق “الجنس الصحراوي العربي” على أصحاب الأرض من أمازيغ، وعرب، وصحراويين حكماء اختاروا الوحدة في حضن الوطن بديلا للتشرذم في أحضان الموتورين منذ عصور الأندلس، يروجون للأطروحة بكل السبل من أجل ضمان ابتزازهم للدولة وبقاء الوضع على ما هو عليه، وهو ما يستدعي بعض الحزم والتعامل مع المغاربة على أنهم سواسية أمام القانون والدستور والأعراف المغربية، التي تعتبر الضامن الوحيد للأمن والاستقرار. ويدخل معهم المغرّر بهم في الداخل والخارج، وبالأخص الحاصلين على الجنسية الموريتانية، والاسبانية.

ثالثا: تجار الأزمات من جنرالات، وتجار السلاح، وعصابات الصحراء، ومنهم جزء كبير من قادة الجبهة الذين راكموا ثروات خيالية نتيجة المساعدات المالية والغذائية والطبية والتهريب. وهؤلاء هم المسؤولون المباشرون لما آلت إليه المنطقة من صراع على مستوى علاقات الدول نظرا لتغلغلهم في مؤسساتها، ولهم كل الفضل في تعطيل التنمية والوحدة المغاربية!

رابعا: المواطنون المغاربة الصحراويون من أصول متفرقة، والمؤمنون بالوحدة سواء من كان عضوا في جيش التحرير أو من ارتحل من الصحراء نحو شمال مغرب، أمازيغ وعرب، هؤلاء هم الذين ضحوا في سبيل هذا الاستقلال الذي لم يتم كما خططوا له، ومطالبون أكثر من الآخرين باستكمال مسلسل تضحياتهم، والوقوف في وجه من يسعى إلى انتزاع حقهم في تقرير مصير أرض هي نبع المغرب ووعيه القومي والديني منذ القدم، والوقوف في وجه أي أطروحة تتآمر ضد هذا المكتسب الذي يمتد لقرون طويلة لم تنل منه الأيديولوجيات الدينية، ولا الاشتراكية، ولا القومية. لأنها كلها لا تستوعب تنوع هذه الأرض التي كانت مهدا لكل الديانات، وكل الأعراق والقوميات، ومشاعا يتحرك فيه البشر والحجر والكثبان بحرية تحت رقابة أوتاده الشامخة. فدعم التآمر ضد وحدة الوطن خسة ونذالة، والخيانة ليست وجهة نظر، ولا حرية تعبير ندافع عن صاحبها. والتعايش مع هذا الوضع ضيع أشواطا كثيرة لترسيخ قواعد الديمقراطية الحقيقية، وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، وتوزيع عادل للثروة بل قبل ذلك تحريرها من الابتزاز الاستعماري الذي لم يضع يوما مصلحة المغاربة في الشمال والجنوب والأفارقة في اعتباره.

خامسا: الدولة المغربية التي عرفت تطورا كبيرا في طريقة تعاملها مع القضايا الوطنية، سواء في المؤسسات المنتخبة أو المؤسسة الملكية، كانت أخطاء الماضي إرثا ثقيلا على العهد الجديد، لكن أوراش المصالحة وحقوق الإنسان أثبتت إيمان المؤسسة الملكية الفاعلة في التقليد السياسي المغربي بالمسار الديمقراطي، ودوره في أي تنمية منشودة، هناك إكراهات كثيرة ومنجزات كبيرة، أخطاء لا تزال الدولة مطالبة بتصحيحها فيما يخص المعتقلين السياسيين، والصحافيين، ويمكن أن نجازف بردّ كل ويلاتنا التدبيرية إلى قضية الصحراء، وتنازلاتنا الكثيرة في سبيلها، ولهذا فقد أصبحت الدولة باعتبارها مؤسسة مركزية مطالبة بإيجاد صيغة لحوار يكون جميع المعنيين بالصحراء طرفا فيه، وليس الاقتصار على جانب دون آخر، بل وفتح النقاش في إطار أعمق من المنظور المؤسساتي الجهوي للحكم، وهو المنظور الهوياتي الذي لا يسمح بأي حال من الأحوال بـتمزيقه، وهذا الأمر يستدعي الاهتمام بدور المثقفين، وليس المحللين السياسيين.

سادسا: تراهن الأمم على التاريخ لرسم ملامح المستقبل، وتاريخ المغرب لم يبدأ في السبعينات ولا الخمسينات، بل بدأ قبل ذلك بكثير، لذلك لابد من الاهتمام بالتاريخ المغربي، وتحرير جامعاته من الفرنكوفونية من جهة، وأدلوجة القومية الضيقة التي كانت معركة مغربية غيرية من جهة أخرى. والتأسيس لأيديولوجية “النبوغ المغربي” في السياسة، والتسامح، والمعرفة، والتعدد، والإيمان بالمستقبل المشرق للجميع، هو السبيل لتقريب وجهات نظر الإخوة الأعداء، ولنا في قديم عهد المغاربة بالسياسة مدارس وأخطاء نتعلم منها، وفي حِلمهم ونموذجهم الاجتماعي المدني من الأندلس إلى نهر السنغال دروس تسامح وعلم ومعرفة وانفتاح لابد من إعادة التعريف بها، وفي جذوره الأمازيغية ومكوناته العربية واليهودية والإسلامية فصول لا ينبغي لكاتب التاريخ أن يقرأها بنظارات قومية ضيقة نشأت في سياق مشرقي لا مكان للمغرب في أسئلته ورهاناته، أو نظارات فرنكوفونية تبعية لا ترى تفوق المغرب وتفرده. بل يقرأها بلغة الأركيولوجيا، والأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا وكل علوم الإنسان والمجال.

فإذا كانت معارك المصالح السياسية الضيقة تدار من طرف الساسة والجنود، فإن معارك الانتماء والهوية تدار بالتاريخ والعلم والمعرفة، وهذه الحقول تدار بالحرية والديمقراطية.

*عضو المجلس الوطني لحزب المؤتمر الوطني الاتحادي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *