cnimaroc

الانتخابات: رهانات السياسة أم رهانات الدولة؟

31 مارس 2021 - 12:27 م أخبار و أنشطة , في الواجهة , مقالات الرأي

بقلم: محمد الصديقي

لماذا سيشارك الشعب في استحقاقات انتخابية بناء على نداءات سياسية مكرورة؟ ما الجديد الذي سيحفز الشعب على التصويت وتغيير موقفه من المشاركة الانتخابية (لا الحزبية) في ظل الانتكاسات التي يعيشها يوميا خارج قدراته لا على الاختيار بل على الثقة المفقودة؟
إن الرهانات التي يبني عليها المواطن العادي اختياراته ليست سياسية بالأساس، فهو لا يعرف مدارج السياسة إلا من خلال البرامج الإذاعية التي لا يتابعها، أو الكتابات الصحفية التي لا يقرأها، أو الوقفات الاحتجاجية التي لا يقررها ولا يجد لها مبررا مقبولا إلا من باب تفسير أن المحتجين يتقاضون أجرا أفضلا منه، دون أن يكلف نفسه في تفسير قيمة الخدمة مقارنة مع الأجر أو قيمة النضال في علاقته بالوطن. فالوطن بالنسبة إليه مختزل في الملك أو الشرطي بزيه بعيدا عن أي مواضعات ترتبط بالاستقرار السلمي وتقاسم السلطة أو التوزيع العادل للثروة، وهي كلها قضايا تعني الذين يحتجون أو الذين يكتبون أو يناقشون في الإعلام بحكم أناقتهم لباسا ولغة وخطابا وحتى علاقاتٍ اجتماعيةٍ أو سياسيةٍ في بعض الأحيان، بما أنهم يتمكنون من فك بعض المشاكل “البسيطة” بمجرد اتصال هاتفي بمدير مستشفى، أو قائد منطقة، أو مدير إقليمي قطاعي… مما قد يظنه المواطن من سابع المستحيلات…
هنا ينبغي التفريق بين الرهان السياسي والاجتماعي، فالثاني أصبح منحة سياسية تُقدَم ريعا لمن أُريد له أن يكسب قاعدة مؤقتة للخدمات الاجتماعية ذات الخلفية السياسية بما يمكنه من ضمانٍ مؤقتٍ لشعبية مغلوطة، والرهان بما هو مؤقت لا يُكسب ثقةً سياسيةً وإنما يُكسب ثقة انتهازية مرتبطة بامتياز لحظي قد لا يدوم ولا يستمر حتى لحظة التصويت.
إن الرهان السياسي لا يمكنه أن يكون كذلك إلا إذا أصبح رهانا نسقيا وشموليا يضمن شرطين:
أولهما معرفي: يرتبط ببناء وعي مجتمعي بتعاقد سياسي حول الخسارة قبل الربح، ومنطلق ذلك أن الطرف الآخر أقوى من الممانعة، وهذا يحتاج تصورا للبناء التنظيمي يتجاوز الحماس النضالي، والمشاركة النضالية تكون فيه بمنطق تعطيل وتأجيل خيارات الدولة لا إسقاطها كليا، وذلك باستحضار عقلاني للحفاظ على طاقات التنظيم وكفاءاته من أجل الحفاظ على التصور الاستراتيجي المؤسِس للتنظيم ولو سريا أو بنوع من التقية الفكرية الديبلوماسية؛
ثانيا تنظيمي ونضالي ينضبط لمخرجات الإطار المعرفي، فالحركات النضالية والتنظيمية هي ممارسات واعية وتراكمية تترجم الفعل المعرفي وتبني أفقه بشكل يقوي صرحه المرجعي والنظري، وذلك بالتعامل الذكي مع اختيارات الدولة وحاجات المجتمع وتكييفها بحسب اللحظة التاريخية بما يمكن من المزاوجة بين القدرة على تلبية حاجات المجتمع، والضغط على الدولة بالاقتناع بمطلب الممانعة.
إن الرهان السياسي، يقتضي بدءا أن يكون للإطار الممانع قدرة على تحليل ذاته، وبيان إمكاناته، وتشريح قدراته أمام مناضليه، فالحقيقة مكشوفة عند الدولة، ولا يعقل أن تكون الدولة ذات معرفة أكثر من المنخرط حول إطاره الذي يراهن عليه، وإلا أصبح الرهان التنظيمي مبنيا على الدولة لا على المنخرط والمتعاطف. إن شرط النضال الوضوح، وشرط الانتصار التضحية، وشرط التضحية الثقة في الاختيارات الفكرية والنضالية للتنظيم، فصبر المناضلين القدامى على التعذيب والاغتيال والاعتقال والنفي لم يكن رهانا مؤقتا أو لحظيا، بل كان رهانا فكريا وتاريخيا وتنظيميا، أساسه الثقة في الاختيارات المستقبلية للتنظيم باعتباره نسقا كليا، يتكامل فيه الفكر بالتنظيم والنضال.
ونحن، حاليا، وللأسف نعيش تمزقا في كل أشكال النضال، والتنظيم، والتبرير، ولا نسق فكريا يؤطر أي فعل تنظيمي أو نضالي لتاريخنا، نحن نعيش التشظي بشتى أشكاله، ونقتات من فكر ماضوي أو وهم مستقبلي كله شعارات أو تعاطف مع لحظات ألم منبعها صور القمع، أو حكايات الظلم، أو بيانات البكاء… لم نستطع بعد أن نستجمع وعينا قبل أجسادنا المنهوكة ضربا ورفسا و…، لم نتمكن بعد من تحديد أولوياتنا التي ينبغي التضحية من أجلها جميعا أهي ذاتية أم وطنية أم مجتمعية؟ يسود خطابَنا اللومُ أكثر من التحليل؟ ونحن نخشى التحليل، ونتبنى التبرير لأن الأخير ييسر التجييش أكثر من متاعب الإقناع الذاتي قبل الموضوعي، تبنينا فكر التعميم لبساطته عوضا عن فكر التخصيص والتحليل والتفكيك لأنه ربما سيفضح جزءا من نواقصنا، أو سيكشف عورة من انتهازياتنا، فبنينا فكرنا ومبادراتنا على التضامن بدل المبادرة، وهكذا استمرت الحكاية تبني أسطورة “قائد” حاضر في النضال، لا مبادر يقود النضال والتغيير. رحمة الله عليك أنت أيها المبادر المناضل الذي يخطئ ولا ينطفئ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *