المفكر كمال عبد اللطيف : عودة إلى سؤال أدوار المثقفين

1 أبريل 2022 - 4:28 م أخبار و أنشطة , في الواجهة , مقالات الرأي

بقلم: كمال عبد اللطيف

تبلورت في الأسابيع القليلة الماضية في المغرب مبادرة تدعو إلى أن يكون 26 مارس/ آذار يوماً لاحتجاج المثقفين المغاربة على الانسداد السياسي الحاصل في المجتمع. تجلَّت المبادرة في فضاءات التواصل الاجتماعي، في مُلصقٍ مُتَجَدِّد يشير إلى بعض دلالاتها، يجمع عَيِّنة من صور المثقفين المغاربة، وكلمة مُوجزة ترسم بالحروف بعض أهداف اليوم الاحتجاجي. وما يُلْفِت النظر في المبادرة توجُّهها السياسي الهام، الذي يروم التذكير بدور الثقافة والمثقفين، في إسناد مشروع التغيير المحاصر في مجتمعنا.

تأسست المبادرة انطلاقاً من موقف سياسي مِمَّا آلت إليه الأوضاع العامة في المجتمع المغربي، ووجدت تجاوبا كثيرا وسط مجموعة من المثقفين والمهتمين بالشأن العام. وقد تجاوز عدد المدن المغربية التي وافقت على القيام بالوقفة الاحتجاجية الأربعين، الأمر الذي منح المشروع كثيراً من مواصفات الفعل الاحتجاجي التاريخي. وضع الجميع نصب أعينهم رصيد المجتمع المغربي في الاحتجاج المدني، من أجل مزيد من الدفاع عن قيم المجتمع المغربي التحرُّرية، وتَطَلُّع تنظيماته المدنية للعدالة والمساواة. ولأن المبادرة نشأت كأفق للفعل السياسي الذي يتوخّى مقاومة الآليات الصانعة لكثير من أوجُه الانسداد والتراجع، المهيمنة على مجالات الثقافة والسياسة في مجتمعنا، فقد قُوبلت من فئات واسعة من المثقفين بكثيرٍ من الحماس والأمل.

يقدّم مُلصق المبادرة المتجدِّد عَيِّنة من صور المثقفين المغاربة، خلال ما يقرب من مائة سنة من مثقفي الحركة الوطنية في أربعينيات القرن الماضي، إلى الأجيال الجديدة من المثقفين الذين يملأون اليوم فضاءات الثقافة والإبداع في المغرب. ويتضمّن إشاراتٍ إلى مهام منتظرة منهم يوم الاحتجاج.

ومنذ الإعلان عن المبادرة بوصفها فعلا سياسيا مدنيا، لم يتوقف أصحابها عن رسم ملامحها العامة في الملصق والكلمات التي تذكّر بأهدافها العامة، حيث تواصل إصدار الملصق المُزَيّن بوجوه نساء ورجال عَيِّنات من النخب المثقفة من الجامعيين والأدباء ومختلف المبدعين المرتبطين بفضاءات الإنتاج الرمزي في الأدب والفن والسياسة، ومختلف فنون الإبداع في المسرح والسينما والتشكيل. ونتصوَّر أن الرابط بين الصور التي تُزَيِّن ملصقاتها وإنتاج أصحابها يتجلَّى في اشتراكهم جميعاً في الدفاع عن مغربٍ جديد.

تابعت بعناية الفكرة والموقف، وأدركت أن الحماس السياسي المؤسّس لروحها العامة يستوعب تصوُّرات معينة عن الثقافة وأدوار المثقفين في زمنٍ جديد، كما يستوعب قليلاً أو كثيراً من اليأس من واقع المشهدين، السياسي والحزبي في المجتمع المغربي، وذلك بحكم ما آلت إليه أوضاع اليسار المغربي المشتت والمُتَرَهِّل في المجتمع، وقد أصبح اليوم لا يملك القدرة على مواجهة أعطابه، ولا القدرة، في الوقت نفسه، على فكّ رموز التحدّيات أمامه، في مشهد سياسي تكراري، وبدون أفق مُحدَّد في التغيير والتقدّم. ونتصوَّر أنه في ظروف مماثلة، لا يمكن اعتبار أن احتجاجات المثقفين هي الحل، إنها حركة رمزية ذات أهمية كبرى في أزمنة الكساد السياسي، إلا أنها لن تصنع الفعل القادر على عودة التاريخ إلى السياسة، وعودة الفعل المُناهض لمجتمع سياسي بدأ يستأنس بقواعد جديدة في العمل السياسي، قواعد لا علاقة لها بالآفاق والتطلعات التي تغنّت بها الحركة التقدمية المغربية بعد الاستقلال.

شَكَّلت طلائع المثقفين المغاربة في ستينيات القرن الماضي الوجه المُضيء لجبهة التحديث السياسي والتاريخي التي ساهمت في رسم معالمها وخيوطها الكبرى الحركة الوطنية المغربية برجالها ونسائها، من أجل بناء مجتمع جديد. وقد كان الجميع إذ ذاك على بَيِّنة من أن الإعداد للمجتمع الجديد لا يكون إلا بتهيئة الشروط التاريخية المناسبة. وهكذا برزت تباشير الإصلاح في مختلف الميادين ذات الصلة بنهضة المجتمع وتقدّمه، في التربية والتعليم، في السياسة والاقتصاد، بل وفي مختلف جوانب الفكر والإبداع. ولم يكن المشروع سهلاً واعترضته منذ بداياته زوابع وعواصف، وترتبت عن الصراع من أجل بلوغه ارتداداتٌ وتراجعات، وظلّ المثقف يحمل شعار التغيير، حلم التغيير وأفق التغيير، من أجل بناء ما يُسعف بتجاوز القيود التي تمنع الحركة والتقدّم. وإذا كنا نتصوَّر أنّ أصحاب المبادرة يتطلعون إلى تحقيق وقفة احتجاج يكون بإمكانها تخطّي عوادي الزمن، وتُخلّص المجتمع المغربي من مختلف مِحَن السياسات القائمة وآثارها، من أجل المساهمة في الانفراجات والتحوّلات التي يمكن أن تؤدي إليها الاحتجاجات القادمة، فتشكِّل منطلقاً لبدايات مغربٍ جديد.

إلا أننا نرى أن الأفق الذي يتطلع إليه الذين تصوّروا الفكرة، يتطلب خيارات سياسية أخرى، خيار مؤسّسات سياسية لم تسمح شروط مشهدنا السياسي بميلادها بعد. لم تسمح السلطات المحلية بالقيام بالوقفة الاحتجاجية للمثقفين يوم السبت الماضي، رغم الطابع المدني الذي أعلن عنه الذين دعوا إليها، إلا أن المتابع لفكرة المبادرة، ولأشكال المنع الرافضة لها، يُدرك أن قوة المبادرات السياسية في التاريخ لا تُقاس فقط بالروح التي تحملها، إنها تُقاس، أولاً وقبل كل شيء، بالمؤسسات التي تمنحها القوة القادرة على تحويلها إلى أداة للتغيير، ومواجهة مختلف التحدّيات القائمة في المجتمع. ما يُميِّز مبادرة القوى الداعية إلى تفعيل دور المثقفين في تعزيز مشروع التغيير في المغرب أنها تدعو إلى ضرورة العناية بمعضلات الحاضر المغربي في تحولاته الجارية، في أسئلته وكبواته، إنها تدعو المغاربة إلى المساهمة في بناء الطموحات الهادفة إلى تكسير رتابة المشهد السياسي، تكسير هيمنة البلاهة التي تُعَمِّمُها اليوم الوسائط الاجتماعية.

وما يمكن أن نفكّر فيه في ضوء المنع الذي جُوبهت به هو إعادة التفكير مُجَدَّداً في أدوار المثقفين، من أجل تشذيب صور الحنين التي يحملها الذين يتطلعون إلى مشاركة المثقفين الطلائعيين في معارك معينة، كما كان عليه الأمر في أزمنةٍ خلت، معتقدين بإمكانية عودة المثقف الدّاعية العارف وحده بحقيقة ما يجري، بدل أن يفكّروا في التحولات التي تنبئ بالصورة الجديدة للمثقف القادر اليوم، على حراسة مقتضيات اليقظة الذهنية والتسلح بالفكر النقدي، لمواجهة اليقينيات المهيمنة على ثقافتنا، والعمل على محاصرة مختلف أشكال الفكر الشمولي وأنماط البلاهات السائدة في مجتمعنا، لتظلّ الثقافة عنوانا لخيارات لا تتردد في مواجهة أعطاب التاريخ والسياسة وصناعة المستقبل.