cnimaroc

الاستفراد والتعالي لن يعالج الاختلالات البنيوية لقطاع التعليم

13 يونيو 2021 - 1:24 ص أخبار و أنشطة , في الواجهة , مقالات الرأي

فاطمة الزهراء التامني*

لأن التعليم يشكل مرتكزا أساسيا في بناء المستقبل المتطور بقدرات وامكانيات الجيل الجديد القادر على التغيير والتقدم والنهوض في شتى المجالات ، وعاملا استراتيجيا في تشكيل الوعي وتأطير شخصية الفرد والمجتمع الاجتماعية، بما يتيحه من قدرة على مواجهة التحديات المطروحة ومسايرة المستجدات المتلاحقة، وهو أداة أساسية للحد من الفقر وتحقيق عيش أفضل، ولأنه قضية غير قابلة للمزايدات، فإن المعركة الحقيقية التي ينبغي خوضها ؛ هي الإصلاح الشامل لنظامنا التعليمي والتربوي بهدف إرساء تعليم عمومي جيد مجاني للجميع، مع استحضار الغايات الكبرى في عصر العلم والمعرفة والتكنولوجيا المتطورة ، بما يتلاءم مع واقع المدرسة العمومية المغربية ويستجيب لانتظارات بنات وأبناء هذا الوطن كحق مكتسب، بعيدا عن القوالب الجاهزة والمستوردة.

إلا اننا عندما نقف عند تفاقم آفة الهدر المدرسي التي تكشف الأرقام عن هولها وخطورتها الى يومنا هذا، حيث أكثر من 300 الف تلميذة وتلميذا ينقطعون عن الدراسة سنويا، مما يرفع نسب الأمية والجهل، ويعيد إنتاج الفقر والهشاشة مع ما يؤدي اليه كل ذلك من تخلف وتقهقر على كافة الأصعدة، نعتبرها آفة تسائل السياسة التعليمية المنتهجة، تسائل المخططات العاجزة عن الحد من الفقر والهشاشة، تسائل الاستراتيجيات والاختيارات، وتسائل قبل كل ذلك الإرادة السياسية للدولة، والنجاعة المفترضة في الترجمة الفعلية القادرة على القطع مع الحلول الترقيعية المحدودة والظرفية.

من هذا المنطلق يطرح السؤال المؤرق؛ لماذا ظل نظامنا التعليمي يشكو من اختلالات بنيوية تحولت الى أزمة مركبة، وجاءت جائحة كورونا لتعري واقع تخلفه وفقره، مكرسة تداعيات على مستوى انعدام المساواة وتكافؤ الفرص، وارتفاع نسب الهدر المدرسي والتهديد بمفاقمة الفوارق الاجتماعية واتساعها.

تقرير “مدرسة العدالة الاجتماعية” الصادر عن المجلس الأعلى للتعليم يتحدث (عن بناء قدرات الفرد باعتبارها أساس وشرط التنمية المستدامة، وأن ولوج تربية ذات جودة يؤثر على الصحة والكرامة والحرية التي تمكن الفرد من استعمال قدراته والاعتماد عليها بشكل فعال من أجل التغلب على الفقر والقيام بالاختيارات في الحياة (ص 37).

كيف يمكننا قراءة هذه المضامين على ضوء حصيلة تذيل بلدنا سلم الترتيب في مؤشرات التنمية والتعليم، وماذا عسانا نقول عن الواقع التعليمي في عالمنا القروي الموجود على هامش الحقوق حتى في حدودها الدنيا ؟

التصدي للجائحة ومحاولة الحد من الأثار السلبية على التعلم والتعليم المدرسي كما هو معلن على مستوى خطاب عرف تعثرا وارتباكا واستفرادا بالقرارات المتخذة من طرف وزارة التربية الوطنية التي عبرت عن انعدام المسؤولية تجاه تنظيمات المجتمع في اقصى صورها، ترجمه فرض ما سمي بالتعليم عن بعد، تحت اكراه الجائحة دونما اشراك او تهيء أو اعداد قبلي، حيث واقع تعليمي بعيد كل البعد عن الرقمنة والتكنولوجيا، بل لا زلنا نجد مدارس بالدواوير والمداشر بدون مرافق صحية وغير مزودة بالكهرباء ولا بالماء الصالح للشرب، ناهيك عن واقع الفقر والهشاشة والأمية والتفاوتات المجالية القائمة، وكلها عوامل شكلت عائقا كبيرا أمام الأسر حالت دون الولوج للحق في التعليم لبناتهم وأبنائهم.

واذا كانت نسبة الهدر المدرسي في الظروف العادية، ما قبل الجائحة تسجل أزيد من 300000 حالة سنويا، فبأي منطق يمكن التعامل مع تدبير الوزارة الوصية على القطاع بخصوص التعليم عن بعد؟

وهل تحققت الكفايات التربوية والمعرفية المطلوبة؟ هل استفادت من أخطاء الماضي ومآلات الفشل؟ أم انها تتعالى عن ادراك المسؤولية عن التأخر الحاصل والحاجة إلى اتخاذ تدابير قادرة على احداث التغيير المطلوب في نظام تعليمي معطوب؟

يجب التأكيد مرة أخرى أن اصلاح التعليم ببلادنا يتطلب الجرأة والشجاعة الكافية لعدم اختزاله في العملية التقنية التي تستهدف الأدوات والآليات والبرامج، ذلك لأن الاصلاح التعليمي الحقيقي، مدخله سياسي ويتطلب توفر الإرادة أولا، وفهم وتشخيص الواقع التعليمي واستيعاب مشكلاته في علاقتها بكل الأطراف الفاعلة والمتفاعلة في المنظومة التعليمية، مع توخي مقاربة تشاركية حقيقية تقطع مع الاستفراد والتعالي وفرض التعليمات وهو ما يتنافى مع ما يقتضيه تدبير الشأن العام من عقلانية ومنهجية ديمقراطية .

*عضو المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم / كدش