cnimaroc

عبد الرحيم أريري يكتب..الزعيم نوبير الأموي كما عرفته!!

24 سبتمبر 2021 - 6:42 م مستجدات , مستجدات وأخبــار

بقلم: عبد الرحيم أريري

ارتبطت بدايتي في الحقل الصحفي بتواصل سطوع نجم محمد نوبير الأموي كقائد لأبرز مركزية نقابية. في تلك الفترة، وبالضبط ابتداء من سنة 1989، تاريخ التحاقي بجريدة “الاتحاد الاشتراكي”، كانت الكونفدرالية الديموقراطية للشغل قد تكرست كفاعل أساسي في المعادلة السياسية المغربية، وكانت الجريدة مستمرة آنئذ في تعزيز بناء خطها التحريري عبر التنقيب في مخزونات المناطق الاجتماعية المنسية، والقضايا المرتبطة بتلك الفضاءات.

في ظل ذلك كان الأموي يسعى لبناء مغرب جديد من خلال الرفع من سقف المطالب بجرأة لا متناهية، وعبر خوض سلسلة من الإضرابات القطاعات والوطنية محاطا بالفئات المقهورة من المواطنين الذين كانوا يرزحون تحت نير الاختيارات اللاشعبية التي كانت تنهجها الحكومة بإملاءات المؤسسات النقدية الدولية. ولقد كنت دائما أتابع ذلك المخاض وفي البال المعارك الاجتماعية، وفي مقدمتها ذكرى الإضراب العام بتاريخ 20 يونيو 1981، وصورة الأموي الذي اعتقل ورفاقه في النقابة والحزب بسبب ذلك حيث قضوا سنتين سجنا.

من هنا كان انجذابي نحو الزعيم.

لم يكن ما أثارني هو فقط نضالية الرجل وشعبيته. ولكن كذلك “البروفيل” العروبي الذي كان مفتقدا لدى باقي الزعماء السياسيين والنقابيين المنتمين، أو على الأقل، لدى مكونات الصف اليساري الديمقراطي الذي كنت أحلم بالانضمام إليه. والحقيقة أن هذا الانجذاب كان ذا حساسية كبرى بالنسبة إلي أنا.

لقد وجدتني أشبهه بعض الشيء، فانا مثله قادم من حوض جغرافي يمتد من الشاوية إلى عبدة مرورا بدكالة، ولدي قاموس بدوي ينحت كلماته من تراب تلك المنطقة، ومن تراثها الشفوي بل الأكثر من ذلك فأنا ابن عامل كان يعمل في معمل “شنوف” لصناعة السكر بالمكان المجاور للقصر الملكي بالدار البيضاء. وهو المعمل الذي تم تشريد كل عماله، فبقيت أسرة هؤلاء العمال بلا محام يرافع من أجل رفع الظلم، ومنح الحقوق لمن يستحقها من ضحايا ذلك التشريد. من هنا افتتاني بالأموي الذي جسد بالنسبة إلي صورة المرافع عن الذين لا حق لهم، ولا صوت.

يومها أحسست أن المرافع بالنسبة إلي لم يعد فقط مجسدا لأحلام الناس. بل صار قريبا مني، مجسدا لحلم شخصي وعائلي.

فيما بعد أسندت إلي مهمة مكلف بالقسم الاجتماعي بالجريدة، ومعناه أنني صرت أتحرك في ملعب نوبير الأموي، أي أنني أصبحت أكثر التصاقا بقضايا المجتمع العميق، وبالقضايا النقابية بصفة خاصة. وبحكم تتبعي لكل تلك القضايا، ولتطورات الملفات المطلبية، وكذلك لتعامل الحكومة مع هذه المطالب، وخاصة الجانب المرتبط بحياة الكونفدرالية، وقفت على شخصية الأموي عن قرب:

لقد كان الرجل بسيطا ومتواضعا في علاقته بنفسه والناس، في طريقة اللباس والأكل حيث الحياة بلا إسراف أو ترف. حتى معجمه البدوي لم يتبدل منذ نشأته وتربيته الأولى ببادية امزاب بإقليم سطات، مرورا بدخوله سلك التدريس والعمل النضالي إلى أن اعتلى زعامة الكونفدرالية الديموقراطية للشغل.

أما على المستوى الشخصي المباشر فاشهد أن الاتصال به، أو الحديث إليه كان ممتعا دائما، ويبعث على الارتياح. وهذا هو الانطباع الأول منذ لقائي الأول معه عكس سياسيين آخرين يتصنعون، أو يبنون جدارا مع مخاطبيهم. مع الأموي كنت أنصهر معه كما لو كنت عضوا بالنقابة، أو كأني ولد الدار. كان يفاتحني في هذا الموضوع أو ذاك دون تحفظ. بل ويعتمد على ذكائي والتقاطي للإشارات لأكتب ما أراه مسموحا، ولأحتفظ لنفسي بما لا أراه مناسبا ليطرح للعموم. ولقد خلق هذا الانصهار بيننا حالات وجدانية خاصة، فلما كنت أذهب إلى الكونفدرالية (وهذه شهادة حق) كان الكل بالمكتب التنفيذي يعتنق هذه العقيدة (أو على الأقل بالنسبة لي ولتعاملهم معي)، بحيث لم أحس يومها أني غريب عن الدار بالنظر لما كان الأموي يحيطني به من تعامل راق وناضج. وللإنصاف فإنني لا أزال أحس بهذا الاحساس كلما زرت “السيديتي” أو التقيت بعضو من أعضائها.

أشهد كذلك، وعلى المستوى المهني، أن الأموي لم يكن سندا لي فقط فيما يخص العمل النقابي. بل كان يدعمني أيضا على مستوى الجماعات المحلية. ذلك أنني لا يمكن أن أنسى تدخله لدى كل مسؤولي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والكونفدرالية الديموقراطية للشغل المنتخبين بالجماعات المحلية ليوصيهم بالتعامل مع عبد الرحيم أريري مؤكدا لهم بأنه “هو صوتنا ولساننا. وأنا ضامنه في كل الأسرار”. وكان يضيف “الضامن بشكارتو. وأنا أضمن أريري”. وللتاريخ فهذه الضمانة كان يشهرها أيضا السياسي والإعلامي المرحوم مصطفى القرشاوي الذي كان يقول دائما للمنتخبين الاتحاديين: “في كل ما يهم الجماعات أنا أضمن لكم أريري. اعطوه كل المعطيات المطلوبة”. لكل هذه الاعتبارات الشخصية والمهنية، والأخرى ذات البعد النقابي والحزبي والقطاعي والوطني كنت دائما أحس بقربي من الفقيد الأموي، ومن القضايا التي كان يرافع عنها. مثلما كنت دائما مفتتنا بهذا البروفيل الخاص الذي كان يجسده.

هناك واقعة تلخص هذا الشعور الخاص بي: في مارس من سنة 1992 اعتقل الأموي وقدم إلى المحاكمة بعد الدعوى التي رفعته ضده حكومة عز الدين العراقي بتهم “السب والقذف”. كانت جريدة “الاتحاد الاشتراكي” تتابع، عبر فريق من الصحافيين، وقائع المحاكمة التي كانت تحظى بمتابعة عالية من القراء، ومن مناضلي الحزب والنقابة واليساريين وعموم المواطنين. ولقد كنت أحد أعضاء ذلك الفريق الذي كان يسهر من أجل نقل وقائع ذلك الحدث الكبير الذي كان يملأ الدنيا ويشغل الناس في تلك الأيام الصعبة في التاريخ السياسي للمغرب. ولقد كنت من جهتي أغطي المحاكمة بكل شغف مثل كل زملائي. لكنني كنت أحس بداخلي كما لو أن الملف المعروض ليس موضوعا صحفيا وحسب، بل هو قضية شخصية تهمني قلبا وقالبا.

ملحوظة: هذه الشهادة كتبتها تحضيرا لإحياء الذكرى الأربعينية للراحل نوبير الأموي، وهي الذكرى التي ستحييها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل وفاء لمؤسس المركزية ولفقيد الطبقة العاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *